إشراقة أدبية في بشامون – سمر قرة

إشراقة أدبية في بشامون

لم يكن مساء الأربعاء، في العشرين من آب 2025، عابراً على دارة منتدى شواطئ الأدب – عصمت حسان. هناك، الكلمة حياة أخرى، هناك التأم جمعٌ من الأطفال والأهالي والمثقفين، ليشهدوا مبادرةً أرادت أن تُعيد للقراءة سحرها، وللكتاب مجده، تحت عنوان “مجتمع يقرأ”.

هذه المبادرة، التي انطلقت بالتعاون مع نادي بشامون الرياضي، ورابطة سيدات عين عنوب، ورابطة سيدات بشامون، ورابطة سيدات مين عرب القرية، جاءت لتؤكد أن القراءة ليست هوايةً عابرة، بل فعلَ مقاومةٍ ضد الجهل والنسيان، وضمانة لمستقبل أكثر وعياً وإبداعاً. ورغم قسوة الأزمات التي ترهق يوميات اللبنانيين، تظل هذه المبادرات فجراً يشق العتمة، مذكّراً بأن الحياة لا تُختزل في صراع البقاء فقط، بل هي أيضاً فسحةٌ للوعيِ والإبداعِ.

(القصص… مرآة الواقع والخيال)

اختارَ المنظمون قصتين حملتا رسائلَ عميقةً من إصدارات منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحادة الثقافي، بهدف زَرعِ بذرةِ القراءةِ في نفوسِ الفئةِ العمريةِ بين العاشرةِ والرابعةِ عشرةِ: “رامي وشجرة الزيتون الصامدة” للكاتبتين تاتيانا نصار وبيا ماريا جعجع، وهي قصةٌ لا تروي حكايةً عابرة، بل تُرسّخُ معاني الأرض والجذور والصمود في عقول الأطفال “OXY – نهاية كوكب الأرض” للكاتبة كارينا سمير أبو نعيم، التي تجاوزت بجرأة حدودَ الخيالِ العلمي، وطرحت أسئلةً وجوديةً كبرى حول مصيرِ كوكبِنا.

وقد أظهرَ الطلابُ مواهبَ مبهرةً، حيث تنوعت مشاركاتُهم بين القراءة المباشرة، والتلخيص، والرسم، والتمثيل المسرحي، ووصل الأمرُ إلى حدِّ الارتجالِ بالمحكية اللبنانية في مشهدٍ أثار إعجابَ الحضورِ.

(جيلٌ يتفوق على التوقعات)

بلغَ عددُ المشاركين واحدًا وعشرين طالباً وطالبة، وبعيداً عن الأرقام، كان لافتاً المستوى الرفيع في الإلقاء والتعبير، والقدرة على تجسيد الحكايات بأساليب إبداعية. كانت هناك طالبةٌ خطفتِ الأنظار بتمثيلها المتقن الذي قاربَ أداءَ المحترفين، بينما أبدعت أخرى في تجسيد القصة بريشتها الفنية، وارتجلت ثالثةُ الروايةَ بلهجةٍ محكيةٍ محببةٍ، لتُثبتَ أنَّ المواهبَ الحقيقيةَ لا تحتاجُ إلى صقلٍ طويلٍ لتتألق.

ولم يقتصر صدى المبادرة على الحضور، بل تجاوزته إلى استحسان الأهل الذين أثنوا على هذه الخطوة التي نجحت في سحب أبنائهم من قبضة الأجهزة الرقمية، ليعودوا إلى حمل الكتب والقراءة بشغفٍ لأكثر من أسبوع. لقد كانت هذه المبادرة ضمن سلسلة من الفعاليات المماثلة، التي تُقامُ تحت إشراف مباشر من الإدارة، وبالتعاون مع المهتمين بالتنمية الإنسانية، وذلك إيماناً بأن الطفل هو اللبنة الحقيقية في بناء الأوطان.

(لجنة تحكيم وأصوات وازنة)

ترأست لجنة التحكيم، وأدارت الحوار مع الأطفال المهندسة والأديبة ميراي شحاده.

وتألفت اللجنة من قاماتٍ تربوية وأدبية:

* المربي عماد المهتار (صاحب الفكرة).

* الشاعرة والأديبة ميراي عبدالله شحادة (رئيسة منتدى شاعر الكورة الخضراء).

* الكاتبة والصحفية الأستاذة سمر قره.

* الأستاذ عصمت حسان (مؤسس المنتدى المضيف).

افتتحَ الأستاذ حسان اللقاء بكلمةٍ رحّبَ فيها بالحضور، مؤكداً أن المبادرةَ يجب ألا تتوقف، وأن تتحول إلى حركةٍ إبداعيةٍ دائمة في المدارس والبيوت، لتكون بشامون “الانطلاقةَ لتعميم هذه التجربة على كل لبنان”. وختمَ بعبارته المؤثرة: “المجتمع الذي يقرأ يمتلك الوعي والمعرفة… وإذا ابتدأت القراءة في الطفولة واستمرت في الشباب، عندها ينتشر النور وتستقيم الحياة.”

أما الأديبة ميراي شحادة، فقد ألقت كلمةً مؤثرةً عن أهمية القراءة في بناء جيلٍ واعٍ ومسؤول، معتبرة أن هذه المبادرة ليست نشاطاً عابراً، بل هي “خبز الروح والعقل” كما وصفتها.

(الفائزون والختام)

بعد مداولات اللجنة، أُعلنت أسماء الفائزين الذين تم تكريمهم بجوائز رمزية ومادية قدمها الأستاذ عصمت حسان، وكانت كالتالي:

عن قصة “رامي وشجرة الزيتون الصامدة”:

    * الجائزة الأولى: دريم أمان الدين

    * الجائزة الثانية: بهاء توفيق زهرالدين

عن قصة “OXY – نهاية كوكب الأرض”:

    * الجائزة الأولى: روكسانا عطالله

    * الجائزة الثانية: غزل أبو عساف

أدارت اللقاء الأستاذة ديانا أبو شقرا، التي أضفت على الأمسية حضوراً مميزاً. واختتم النشاط بجلسة محبة جمعت الأطفال وذويهم حول مائدة واحدة، في صورةٍ تُجسّدُ روحَ المشاركة التي أرادتها المبادرة.

في بشامون، كتبَ الأطفالُ أولى صفحاتِهم في كتابِ الحياة… صفحات تقولُ إن لبنان، برغمِ كلِّ شيء، لا يزالُ قادراً على إنجابِ جيلٍ يقرأ، يُبدع، ويحلم.