إقتصاد الـمعرفة ودولة الفاسدين
(كتب فوزي عساكر رئيس تَحرير مَجلة العالـمية)

أُعجِبَ أحد الموظفين بالعطر الذي يستعمله زميله، فسأله عن اسم العطر، ولكنّه رفض الإجابة، مع أنّ الموظّف يَملك مالاً لشرائه. وعندما احتاج رفيقُه هذا إلى معرفة معلومة منه في العمل، اشترطَ عليه الموظّف أن يعرف اسم العطر مقابل تقديم المعلومة إليه. وهكذا حصل الموظّف على اسم العطر مع زجاجة هديّة، من دون أن يدفع ثَمنها، مع أنّه يَملك المال الكثير، فوفّرَ ماله بفضل المعرفة التي يَملكها.
دولتنا اليوم، تَجوب العالم لتتسوّل، من أجل اختصار المسافة، وجَمع الأموال لجيوب الزعماء، لتمويل أحزابِهم وشراء الناس في أزمنة الانتخابات، التي فبركوا لها قوانين تناسبهم وتُبقيهم في مناصبهم بالرغم من الثورة.
أتَنقصُنا المعرفة الكافية لاستبدال التسوّل بالتخطيط الاقتصادي الـمبني على المعرفة؟ طبعًا لا… فشبابنا يَملكون طاقات فكرية كبيرة لإنقاذ الوطن، ولكنّ الطبقة السياسية التقليدية، باتت كالـجنـزار على مفاتيح الفرج!
أحدُ باعة الخردة، جَمعَ من الحديد العتيق بقيمة مئتي دولار ليبيعها، فاشتراها تاجر يَملك المعرفة، ودرس خطّة اقتصادية متقدّمة لاستثمارها. فاقترح أن يُحوّل الخردة إلى نضوات للأحصنة ويبيعها بألفي دولار، لكنّه رأى أنّه إذا حوّلها إلى إبر للخياطة ستُباع بعشرين ألف دولار. وتابع تَخطيطه، فوجد أنّه إذا حوّلها إلى عقارب للساعات، وباعها إلى إحدى الشركات الشهيرة بصناعة ساعات غالية الثمن، سيحقّق مئتي ألف دولار. وبذلك أثْمرت له الـمئتا دولار من الخردة مئتي ألف دولار من الحاجات الأساسيّة لصناعة متقدّمة. أمّا بائع الخردة فلم يَحصل سوى على مئتي دولار، وراح يشقى في اليوم التالي ليجمع ما يؤمّن له لقمة العيش.
ألا ترون أننا لسنا بِحاجة إلى التسوّل، بل إلى التخطيط على أساس اقتصاد المعرفة، كي نُحارب الفقر في دولة الفاسدين؟! وتكثر الأمثلة والنتيجة واحدة…
رجلُ أعمال كبير، أرسل أحد موظفيه إلى إحدى البلدان الفقيرة، ليقدّم له تقريرًا عن طريقة معيشة تلك الشعوب، من أجل الاستثمار هناك. فقدّم تقريره قائلاً: «سيّدي… هذا شعبٌ لا يصلح الاستثمار لديه، فإنّهم فقراء ويَمشون حفاة.»
ولكنّ رجل الأعمال هذا، أرسل موظّفًا آخر إلى تلك البلاد، ليُعِدَّ له تقريرًا عن طريقة معيشة شعبها، وبِحسب رؤيته. فأعدَّ له تقريرًا يقول فيه: «سيّدي… هذا شعب في أرض خصبة للاستثمار، فهُم قومٌ حفاة وفقراء. نستطيع أن نؤسّس لديهم مصانع للأحذية، فنخلق لهم فرص عمل بأجور زهيدة تؤمّن عيشهم، ونفتح سوقًا لبيعهم الأحذية التي يفتقدونَها.»
أيّها اللبنانيون… نَحن لا تنقصنا المعرفة والرؤية بين مثقّفي شعبنا، الذين يثورون في الشوارع والساحات، وحتى بين السياسيين. والدليل أنّ رؤية الشعب جعلته يستثمر ويُحقّق نَجاحات في دول العالم، فيما السياسيون هم أصحاب شركات ناجحة، ولكنّ فسادَهم جعل مؤسسات الدولة اللبنانية تنهار أمام استنـزاف قدراتِها، التي يُفتّش الـمسؤولون على تعويضها بالتسوّل من الدول، وفرض الضرائب على الفقراء، مِمّا ولّد اليأسَ عند المواطنين!
اليوم، تكرر الدولة اللبنانية فعل الخطيئة ذاتِها، بالتسوّل من المؤتَمرات الدولية لتسليح الجيش اللبناني. فهل المشكلة بالتسليح أم بتسليم الأمر للجيش؟! وهل تعتقدون أنّ التسليح غير المتكافئ سيردع إسرائيل عن الاعتداء على لبنان، أم المفاوضات والوعي الداخلي والحياد عن النـزاعات الإقليمية ستمنع إسرائيل من الاعتداء على لبنان؟! فبعد التحرير في العام 2000 كانت إسرائيل خارج لبنان، حتى استدعيناها في العام 2006 وفي العام 2023 وما زلنا نستدعيها بعد أن سقط لنا آلاف الشهداء والجرحى ومئات الآلاف من البيوت واحتلال عشرات القرى والمدن! فكيف تريدون أن نصنع اقتصادًا مبنيّاً على المعرفة، والمسؤولون قسم منهم منشغل بالسرقة وقسم آخر منشغل بتحرير فلسطين واليمن والعراق ولبنان وإيران وأوكرانيا والبرازيل على حساب البشر والحجر في لبنان. أما آن الأوان لنـراجع حساباتنا من دون تَخوين وعداوة لإنقاذ من بقي حيّاً وتَحييد ما بقي من دون احتلال ودمار؟!
بالوعي نبني الدول، ونتفادى الثورات وصراخ الموجوعين والمحرومين. ولكن أَيُعقَل أن يضع الفاسدون قانونًا لِمعاقبة أنفسهم؟! فتولد الثورة ولا تُحقّق لنا التغيير، في ظلّ شوارع ما زالت تنادي بفساد الجميع ما عدا زعمائها. فجعلوا من الجميع مذنبين، ومن زعمائهم آلهة، وإلاّ نزلَ أزلامُهم إلى الشارع بالعصيّ والفؤوس لإزهاق الكرامة والنفوس!
فوزي عساكر
