إيهاب مطر… (الثابت في زمن المكوعين)
كتبت سمر قرة

طرابلس تلك المدينة التي تتقاذفها رياح الإهمال، وتنهشها سهام المحسوبيات، خرج منها صوت يحاول أن يبقى مختلفًا، يجاهد ثابتًا في زمن المساومات والتلوّن.
لا يقدّم نفسه كخطيبٍ يبيع الشعارات، بل كإبن بار يريد أن يُعيد لمدينته حقّها في الدولة والاهتمام.
د.مطر..
منذ دخوله المجلس البرلماني، اختار أن يوجّه بوصلة خطاباته نحو مدينته أولًا.
ففي كل مداخلاته تقريبًا، يستحضر طرابلس كجرحٍ مفتوح وكمدينة تستحق أكثر من فتات الموائد السياسية. وفي أكثر من مناسبة دعا زملاءه النواب إلى «التعالي عن الحسابات الضيقة» واللقاء على كلمة سواء خدمةً للمدينة، مؤكّدًا أنّ الطرابلسيين لا يريدون الانقسام بل إنقاذًا حقيقيًا.
أما في الشارع الطرابلسي فلا تُقرأ كلماته بمعزل عن مواقفه العملية.
فعند كل إشكال أمني أو استحقاق انتخابي محلي، كان د. مطر يرفع الهاتف مباشرة ليتواصل مع وزير الداخلية، مطالبًا بحضور الدولة في الوقت والمكان المناسبين، خشية أن تُترك المدينة نهبًا للفوضى.
إذ هو لا يكتفي بالتصريحات، بل يسعى إلى أن يُترجم حضوره بخطوات ملموسة.
أمّا في شأن الانتخابات البلدية التي مضت، فقد بدا مطر واضحًا: المدينة بحاجة إلى مجالس بلدية تحمل الكفاءة والشفافية، لا إلى مجالس محسوبة على القوى المتناحرة.
وفي أكثر من تصريح، شدّد على أنّ ما جرى في طرابلس «فرصة للتغيير» وعلى أنّ الطرابلسيين حرّروا أنفسهم من هيمنة بعض القوى، لكنّ هذه الفرصة ستضيع إن لم تُستثمر في بناء مؤسسات محلية فاعلة.
أما على المستوى الوطني، فقد انخرط في حوارات سياسية وديبلوماسية، مؤكّدًا على سيادة الدولة وضرورة أن تكون مؤسساتها المرجعية الوحيدة. حتى في لقاءاته الخارجية، حمل معه صورة طرابلس: مدينته التي تُعاني من التهميش، وتنتظر من نوّابها أن يكونوا جسرها نحو الدولة لا عبئًا إضافيًا عليها.
وكل من يتابع خطابه يدرك أنّه لا يجمّل الكلمات. هو يصرّح بما يراه حقًا، ولو بدا صوته نشازًا وسط جوقةٍ متكيفة مع نظام المحاصصة.
وربما هنا تكمن فرادته: في زمنٍ يتقن كثيرون فنّ التراجع والمواربة، يصرّ هو على أن يكون «الثابت في زمن المكوعين» كما وصفه أحدهم.
أما نحن فنقول طرابلس، المدينة التي أنهكتها السياسات العابثة، تحتاج فعلًا إلى هذا النمط من الخطاب: خطاب يعيد الاعتبار للشكر والوفاء والعمل الحقيقي، بدل النفاق الاجتماعي والسياسي الذي اعتدناه.
ود. مطر مهما اختلفت معه أو اتفقت، يظلّ أحد الأصوات القليلة التي تقول بوضوح: هذه المدينة تستحق أن تُعامل كعاصمة ثانية للبنان، لا كحديقة خلفية تُترك لمصيرها.

