الرجل المريض ضمانةٌ للسلام
(كتب فوزي عساكر رئيس تَحرير مَجلة العالـمية)

حُكيَ أنّ مريضًا كان يزور الطبيب بعد إصابته بـحادث في العين، وكان الطبيبُ يداويه بقطرة دواء، ليعود إليه آخر كلّ شهر. وبقي هذا الـمريض يتَـردّد على الطبيب عشرين سنة، وفي كل مرّة يأتيه مُحمَّلاً بالألبان والأجبان والبيض البلدي…
وتقول القصة الـمأثورة، أنّ ابنَ الطبيب تَـخرَّجَ مثل والده، طبيبًا للعيون، بعد عشرين سنة، وزار والدَه الذي كان خارج العيادة. وأثناء وجوده، وصل الرجلُ الـمريض كالعادة، فاستقبله الإبن، واستفسرَ عن حالته، فأراد أن يبرهنَ لوالده انه طبيبٌ ماهر، ليثبتَ وجودَه في بداية حياته العمليّة.
وبعد أن فحصَ الرجلَ الـمريض، رأى شوكةً صغيرة جدّاً في عينه، فأزالها بسهولة وصرفه قائلاً: «لن تعودَ بعد اليوم، لأنني قد أزلتُ سبب المرض.»
وبعد مَـجيء الطبيب الوالد، أخبره ابنُه انه أنْـجزَ إنْـجازًا كان عصيّاً على والده عشرين عامًا. فغضبَ الوالدُ، وقال لابنه: «مِنَ اليوم فصاعدًا لن تأكلَ الألبان والأجبان والبيض البلدي… أنا كنتُ أعلمُ تَمامًا ما هي العلّة، وتركتُها عشرين سنةً لاستغلال الرجل الـمريض، أمّا أنت فحرمتَنا هذه النعمة. أنت لم تدرس في اختصاصك كيفيّة استغلال الناس، وإبقاءهم مرضى كي تستمرَّ بالاستفادةِ منهم».
ولبنانُنا هو الرجل الـمريض، الذي شاء أكثر حكامه أن يكونوا عملاء للخارج، فدمّروا اقتصادَه ومرفأه، وخاضوا الحروب العبثية، وجوّعوا شعبَه، وفرضوا الضرائب، كي يبقى وطنًا مشلولاً، يعيش على الـمهدّئات والـمسكّنات، من فُتاتِ الحقوق التي سلبوه إياها. وهكذا، لا يسمحون له أن يتعافى كي لا يتفوّق على اقتصاد جيرانه الذين يَحسدونه، ولا يسمحون له أن يَـموت كي لا يتحوّل إلى بؤرة للإرهاب غير الـمنظَّم، خوفَ أن يرتدَّ الإرهابُ على أمن الجيران.
وهكذا سيبقى لبنانُ الرجلَ الـمريض، ضمانةً للسلام مع جيرانه، بِـهمَّةِ العملاء الذين يتحكّمون بِمصيرنا ويُحلّلون قتلنا مَجّانًا طيلةَ عقود، خدمةً لأسيادهم شرقًا وغربًا. وتذكَّروا أنّ الاتّحاد السوفياتي لم يسقط بطلقة نار واحدة، إنّـما بتسليم كلّ مفاصل الدولة للفاسدين. ولبنان يسقط اليوم بـهذا النهج الـمشين، بعد أن حوّلوه إلى الرجل المريض، ضمانةً للسلام وللمعادلات الدولية، فخاض حروب المحاور، وأوى أهله إلى المغاور، وخوّنوا العاقل فيه إن أراد أن يُحاور.
فوزي عساكر
