الرفق بالإنسان في زمن الحيوان
رئيس تحرير العالمية فوزي عساكر

كم يشتهي المرء أن يُمضي سهرته في دارة بيته، مع نسمات الليل في لهيب تَموز، وهي نعمة من الله، قد لا يحصل عليها مَن سكنَ علبةً في الطابق السابع، في بنايةٍ مزروكةٍ بِمجمّع سكني، بناهُ طامعٌ بِشبْرِ أرضٍ، فاستغلّ كلّ المساحة ليبيع الـمساكين علب السردين.
وفيما انعمَ اللهُ علينا بدارةٍ واسعة أمام البيت؛ وفيما كنّا نسهر في ربوعها وننعم بنسمات الليل العليلة، انقضَّ علينا رتلٌ من الكلاب الداشرة المفترسة، واحتلت ساحة البيت، وهجّرتْنا من نعيم جلستنا الهانئة. فيبدو أننا شعبٌ مكتوبٌ له أن يعيش مهجَّرًا لأجل كلّ القضايا، ولكن ما يفاجئنا أنه في زمن السلام تُهجّرنا الكلاب!
وفي صباح اليوم التالي، شكونا أمرنا للشرطة المسؤولة عن أمننا وسلامتنا، فأجاب المسؤول قائلاً: إبحث عن المرجع الصالح، فنحن لا نستطيع أن نفعل شيئًا.
وعند سؤالي له عن المرجع الصالح، أجاب: صراحةً لا أعرف.
فقلتُ له: إذا تَخلّصنا من الكلاب الداشرة التي تفترس منازلنا؟
أجاب فورًا، باندفاع العارف، وقال: يتمّ توقيفكم!
فسألته غاضبًا: وإذا قتلتِ الكلابُ أحدَ أفراد عائلتي، هل يوقفون الكلاب على ذمة التحقيق، ونَحن نَمشي في جنازة أحبائنا؟! ولكن… قد عصى عليه الجواب!
غريبٌ هو القانون الجائر في هذا الوطن، فالضعيف يخاف من القانون ومن الكلاب على السواء، والقوي لا يعترف بالقانون لأنّه بحماية الكلاب! فإنْ هاجمك معتدٍ وسرق بيتكَ وقتلكَ، تَحضر الأدلّة الجنائية وتضرب طوقًا أمنيّاً، وإذا كان المعتدي من الطبقة الشعبية، يُساق إلى السجن، أمّا إذا كان ذا رتبة عالية فيفلت من العدالة، ولا تستطيع العدالة سوقه إلى التحقيق، كي لا تُتَّهم أنّها تستهدف الطائفة! وهذه المعادلة ليست غريبة في وطن لا تطال فيه العدالة مسؤولاً إذا كان مُحاطًا بالقبضايات. ولكن السخرية في أن تَعجز العدالة والسلطة معًا عن ضبط الكلاب الداشرة، التي تسطو على البيوت الآمنة، ويُمنع على أصحاب البيوت من إهانة شرف الكلاب، فهذا يستدعي الـمطالبة بالرفق بالإنسان في زمن الحيوان!
حتّى للكلاب حقوق في هذا الوطن أكثر من الإنسان، فيصحّ السؤال: إنْ قتلتِ الحربُ مواطنًا، يَموت شهيدًا، أمّا إنْ قتلتهُ الكلاب، فأيّ ميتةٍ يَموت؟!
الويلُ لِمَن جعلوا من وطن الله على الأرض، وطنًا للذئاب والكلاب وفصيلة الأنياب!
فوزي عساكر
