الروح الرياضيّة وسلّة المهملات – كتب فوزي عساكر رئيس تحرير العالمية

الروح الرياضيّة وسلّة المهملات

كتب فوزي عساكر رئيس تَحرير «العالمية»

التقيتُ بأحد التجّار يتلاعب بالأسعار وتاريخ الصلاحيّة، وهو يستمع إلى ترانيم دينيّة تعطّرها رائحة البخور وتزيّنها الشّموع، وكأنّه فعلاً في صلاة دائِمة إلى إلهٍ يرى ويسمع ما يُقال وما لا يقال.

وفيما انا أسأله عن سير العمل، راح يندب حظّه، ويشكو من ظروف الضائقة الاقتصاديّة والخلل السياسي والفساد في أرجاء الوطن. نصحته بالعودة الى الله، لأنّ بيده وحده مفتاح الخلاص. فراح يلوم الله، ويقول: لماذا انا أصلّي دائمًا، والله لا يسمع ولا يُجيب؟! صلّيت كثيرًا فلم يستجب الرب دعائي، لذلك لا تنفع الصلاة.

سألته: وهل التلاعب بالأسعار واسبدال تاريخ الصلاحية، هو من أعمال الخير كي يستجيب الله لصلاتك؟ ولماذا تتلاعب بِمصير وحياة الناس، فيما تصلّي ليلاً نَهارًا؟

أجاب: هذا عملي وتلك صلاتي، فلا علاقة للعمل بالصلاة.

أجبته: إذًا يا صديقي، أنت تستخدم الله لأغراضك، وحياتك مبنيّة على الشعارات الكاذبة، فاشرح لي كيف تكون تاجرًا صادقًا صالحًا؟!… وأمام مصلحته سقط الجواب!

حقّاً نَحن في وطن الشّعارات الكاذبة والمزيّفة. تصوّروا أننا نتبادل نصيحة: «الروح الرياضيّة» في جميع منافساتنا وما يُسمّى بديـمقراطيّتنا. إنّما تبقى الروح الرياضيّة على أسطوانة المناسبات، حتى بتنا نَخشى أن تكون علاقتنا بأحد على أساس «الروح الرياضيّة».

تصوّروا أننا في الانتخابات ننشد شعار الروح الرياضيّة، ونتضارب ونتقاتل فتُسفَك الدماء.

وفي الرياضة نفسها، تبدأ الروح الرياضيّة مع جمهور يشجّع الرياضة برمي القناني في الملعب وعلى الرؤوس، وبالتضارب والشتائم والتعابير النابية، والتحريض الديني والمذهبي والسياسي وأناشيد الشارع. فكيف تصفون لنا الروح الرياضيّة، في وطنٍ دمّرته الروح الرياضيّة وفساد مستخدميها؟!

نَحن شعب بِحاجة إلى إعادة تأهيل، لِمحو الكذب من ذاكرته، كي يشفى من عاهة الشعارات الموسِمية الكاذبة.

نَحن شعبٌ يشرّع لنفسه ويفتي لِمصلحته ويتذاكى لإخفاء مكره، فيما وطنٌ ينهار ونَحن نتفرّج، ولا أحد يستطيع أن يُحاسب، ما دام الفاسد يتخفّى وراء طائفته وحزبه، حتى باتت حياتُنا مهرجانًا تنكّريّاً، ففقدنا وجوهنا الأصليّة، ورحنا نقفز بوجوه السعادين على المنابر وفي الساحات، نتلاعب بِحقوق شعبنا، على أننا نُمارس تِجارتَنا بين مواعيد الصلاة!

بربّكم، إرحمونا من الروح الرياضيّة التي رمت الكرة خارج الملعب، ورمت كرامتَنا في سلّة المهملات!

فوزي عساكر