الطبقة المتوسطة… العالقة بين عالمين
نجلاء عمري

في الماضي القريب ، كان المجتمع مثل هرم بثلاث طبقات واضحة: الأغنياء في القمة، الفقراء في القاعدة، والطبقة المتوسطة في الوسط -عمود المجتمع، وعنوان التوازن.
هذه الطبقة كانت تملك ما يكفي للعيش الكريم: بيت، تعليم محترم، طبابة، وحتى فسحة من الترف. كانت حلم الفقراء، وجسر الأمان من السقوط نحو الحاجة.
لكن اليوم… الصورة تغيّرت.
في معظم عالمنا العربي، تقلصت الطبقة المتوسطة حتى كادت تختفي. الأغنياء أصبحوا يعيشون في عالم موازٍ – مدارس دولية، سفر دائم، سيارات فارهة، وأسلوب حياة بَعيد عن متناول معظم الناس. والفقراء يواجهون صراع البقاء وسط الغلاء والبطالة وتراجع الخدمات.
أما الطبقة المتوسطة، فهي عالقة في منتصف المسافة:
• لا تملك ما يكفي لمجاراة الأغنياء.
• ولا تستطيع أن تتنازل أو تعيش مثل الفقراء، لأن ثقافتها وتربيتها ومقاييسها لا تسمح.
• تشاهد من بعيد مظاهر الرفاهية، ومن قريب معاناة المحتاجين، لكنها لا تنتمي تمامًا لأي طرف.
مثال من شرق وطننا العربي الى اقصى غربه، يوضح اننا نعيش نفس الأزمة :
المغرب: بين المْغْرِب – Le Maroc – البهرجة والغلاء
في المغرب، دخل الموظف المتوسط يتراوح بين 6,000 و9,000 درهم مغربي (600–900 دولار تقريبًا)، بينما تكاليف معيشة عائلة مكوّنة من 4 أشخاص تتجاوز 12,000–15,000 درهم شهريًا حتى بدون كماليات.
الطبقة المتوسطة تجد نفسها مضطرة للاقتراض أو التضحية بجودة التعليم والصحة والترفيه، بينما تشاهد طبقة الأثرياء تعيش في أحياء فاخرة، تقود سيارات بملايين الدراهم، وتستثمر في مشاريع ضخمة.
لبنان: من الانهيار إلى الاغتراب الداخلي
في لبنان، بعد الأزمة الاقتصادية، دَ الموظف المتوسط لا يتجاوز 400–800 دولار، في حين أن كلفة المعيشة لعائلة من 4 أشخاص تتراوح بين 1500 و2000 دولار شهريًا.
هذه الازمة جعلت كثيرًا من أبناء الطبقة المتوسطة يعتمدون على تحويلات المغتربين أو وظائف إضافية.
أما الترفيه والسفر والتعليم الجيد فباتت أحلامًا مؤجلة – وفي المقابل، الأغنياء ما زالوا يعيشون حياة لا تشبه يوميات الأغلبية.
الخطر الذي يهدد الجميع
الأخطر أن هذه الطبقة لم تعد تملك نفس «شبكة الأمان» التي كانت تحميها. خطوة واحدة خاطئة – فقدان وظيفة، مرض، أو أزمة اقتصادية – كفيلة بدفعها إلى هاوية الفقر. أما الصعود للأعلى فأصبح أصعب من أي وقت مضى.
انكماش الطبقة المتوسطة ليس مجرد مسألة أرقام أو إحصاءات، بل خطر على استقرار المجتمعات.
فحين تتقلص هذه الطبقة، يختفي التوازن، وتزداد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ويصبح الاحتقان الاجتماعي أكبر، والأمل في تحسين الوضع أقل.
وفي النهاية : الطبقة المتوسطة هي قلب المجتمع… وإذا توقف هذا القلب عن النبض، فالجسد كله سيتألم .
نجلاء عمري
