العالمية  / إلى شيعة لبنان: اقبلوا بأي اتفاق اليوم – بقلم ناجي علي أمهز

هذا المقال ليس مجرد كلمات، بل هو بمثابة مسودة “وثيقة إنقاذ” لما يمكن إنقاذه، وهو لا يدعو للاستسلام كما قد يروج البعض، فأنا أعلم وأعي تماماً أن “قبضايات” السوشيال ميديا والمتأهبين خلف الشاشات سيسارعون إلى “تبييض الوجوه” والمزايدة بالشعارات “الخرنتعية”، رغم أن غالبيتهم لا يملكون ثمن علبة تبغ وينتظرون “الإعاشة” ليعيشوا، ومع ذلك سينظرون علينا بمنطق “عنزة ولو طارت”. إن هذا المقال هو دعوة صريحة للانسحاب التكتيكي من معركة أصبحت وجودية بكل المقاييس، فنحن اليوم ندفع ثمن أخطائنا السياسية والإعلامية المتراكمة، وما أخبرتكم به في الرابع والعشرين من تشرين الثاني عام 2024 لا يزال هو الخلاصة التي لا بديل عنها؛ لذا استفيدوا من الوقت، ومن وجود وحنكة الرئيس نبيه بري، وبما تبقى لنا من قوة وعلاقات واحترام بين الناس، لأن القادم هو انهيار تام بكل ما للكلمة من معنى إن لم نتدارك الأمر.

وعندما أُسأل عن رأيي في الاتفاق اللبناني الإسرائيلي الذي وُلد برعاية أميركية، أقول بوضوح إنني أراه “جرعة دواء شديدة المرارة”؛ فهو من جهة ينقذ ما تبقى من البشر، لكنه من جهة أخرى يغير وجه “الدور” الشيعي في لبنان تماماً، والمأزق الحقيقي يكمن في أن البديل عن هذا الاتفاق، في ظل موازين القوى الراهنة، ليس سوى الفناء الكامل، لذا أعتبره “جيداً” لكونه يوقف آلة الموت، و”سيئاً” لأنه يضع الشيعة وجهاً لوجه مع واقع جديد ومؤلم يتطلب منهم إعادة ابتكار دورهم ووجودهم بعيداً عن الاتكال على قوة السلاح، والاعتماد كلياً على قوة المنطق والفكر السياسي بعيدا عن نظريات ايران هددت بقصف شمال اسرائيل اذا قصفت الضاحية، والاختراعات العسكرية الخفية والاسلحة الفضائية والبطولات التي وصلت حد انها تدق على باب الميركافا ليفتح الاسرائيلي بداخلها، وان هناك شخصين ومعهما صاروخ جو ارض على “موتسيكل” سبقا طائرة مسيرة من نوعية هرمز واسقطاها.

دعونا نعود الى المواطنة والاندماج الاجتماعي.، لدينا بعض الناس الكفيلة باصلاح هذا الامر واعادة ترتيبه وتفعيله وتحويله الى نقاط قوة وطنية اساسية.

لقد كانت رؤيتي واضحة منذ أكثر من شهر ونصف، حين أشرت إلى انتهاء الحرب الإيرانية الأميركية، وأكدت أن واشنطن ستتعمد تأخير توقيع اتفاقها مع طهران حتى تُنجز الاتفاق مع اللبنانيين، رغبة منها في فصل المسار اللبناني عن الإيراني بشكل كلي. وهذا ما دفعني للكتابة بقسوة في الرابع والعشرين من أيار الماضي، محذراً من أن من يظن أن وقف النار بين أميركا وإيران يحل مشكلة شيعة لبنان فلديه “مشكلة في دماغه”، فإيران نفسها تعرضت للقصف والاغتيالات لفصل مسارها عنكم، وحتى سفيرها في لبنان لم يسلم من العقوبات، لذا فإن الاستمرار في المراهنة على صراخ المحللين والخطابات الجيواستراتيجية الكونية الفراغية لا يقدم ولا يؤخر، بل يغرقنا في حفرة أعمق لا قاع لها.

علينا اليوم أن نتحلى بواقعية شجاعة ونقبل بأي اتفاق مطروح، فبعد أن كنا نتحدث عن مئات آلاف الصواريخ والمقاتلين، نجد أنفسنا اليوم أمام مدن وقرى جُرفت عن بكرة أبيها، وأعداد من الشهداء والجرحى لا يصدقها عقل، فضلاً عن نصف مليون نازح على أرصفة الطرقات بلا عمل أو مستقبل، وهي كارثة وجودية تتجاوز كل وصف. إن القبول بالاتفاق مع محاولة الحفاظ على بعض المكاسب هو السبيل الوحيد للبدء بإصلاح ما يمكن إصلاحه، لعلنا نعود بالحد الأدنى إلى ما كنا عليه قبل سنوات، بعيداً عن سياسات المحسوبيات وصرف الأموال ومنح المناصب لوجوه لا نعرف أصلها ولا فصلها.

لقد سئمنا من تحويل كل كلمة عاطفية تصدر عن اخرين من خارج الطائفة تجاهنا إلى “تريند” إعلامي، فالعالم قد يشفق على فراشة تحترق لكنه لا يقدم لها بديلاً عن النار، ولولا وجود بعض العقلاء في بيئتنا، ولولا الإدارة المنظمة التي يقودها حزب الله اليوم لتوزيع الإعاشات ومتابعة ودعم النازحين، لكان حال الشيعة لا يعلمه إلا الله.

فرجال الدين والسياسة لم ينفعوا الطائفة ولا حتى بالخطابات، اما الاثرياء فان ما تدمر من املاكهم كان جزءًا يسيرًا منه اقام اكبر مؤسسة فكرية وعلاقات عامة تحمي الشيعة الف سنة الى الامام، لكنهم لم يفكروا الا بأمتيازاتهم وتطاولهم بالعمران، وتكديس الاموال، فكانت هذه النتيجة الطبيعية فالمال في كل دول العالم بحاجة الى سلطة تحميه ولا يوجد اعظم من سلطة وسلطان العقل والمعرفة. 

إن المطلوب اليوم هو العودة إلى الأرض، وإقصاء المحسوبيات، وإغلاق هذه الفضائيات، ووقف جنون المهرجين على وسائل التواصل الاجتماعي الذين يتاجرون بوجعنا.

إن أي اتفاق نقبله اليوم هو أفضل ألف مرة من اتفاق قد نُجبر عليه غداً، فنحن أمام آلاف العائلات والأيتام والجرحى الذين يحتاجون لمن يؤمن لهم التعليم والدواء والعلاج لذلك المهم بقاء الحزب بقربهم لانه يهتم بهم حقيقة، اليوم الاستقرار ووقف نزيف الدم الدمار هو افضل من مليون انتصار، لانه من دون هذا الاستقرار سيتشرد هؤلاء فعلياً. علينا أن نتعلم فن التكيف، فأقوى المخلوقات كالديناصورات انقرضت لأنها لم تعرف كيف تتكيف مع المتغيرات، بينما البقاء دائماً لمن يقرأ الواقع بعين العقل لا بعين الأوهام.