العالمية / إلى متى يدفع المواطن ثمن العجز؟ – غاده موفق

في لبنان، لم يعد الغلاء مجرد أرقام ترتفع على رفوف المتاجر، ولا فاتورةً إضافية تُضاف إلى فاتورة أخرى. الغلاء أصبح واقعاً يضغط على المواطن من كل الجهات، ويضع العائلة اللبنانية أمام سؤال يومي قاسٍ:

كيف سنكمل الشهر؟

من الغذاء إلى الدواء، ومن التعليم إلى الاستشفاء، ومن الإيجارات إلى الكهرباء والمولدات، ومن البنزين إلى النقل، وصولاً إلى الضرائب والرسوم والفواتير، أصبحت كلفة الحياة أكبر من قدرة المواطن على الاحتمال.

المواطن الذي يخرج صباحاً إلى عمله أصبح يحسب كلفة الطريق قبل أن يحسب راتبه. يدفع للبنزين أو للسرفيس أو للتاكسي، ثم يعود إلى منزله ليجد أمامه عشرات المصاريف التي لا تنتظر.

حتى أبسط مشوار أصبح عبئاً.

إلى كل مسؤول في لبنان: إلى متى يدفع المواطن ثمن العجز؟

المواطن ليس رقماً في جدول اقتصادي، وليس مجرد صوت انتخابي يظهر عندما يحين موعد الانتخابات يصبح المواطن مهما وتفتح له الابواب وتكثر الوعود والمناشدات ثم يُنسى بعدها.

عندما يحتاج بعض النواب والسياسيين إلى صوت المواطن، يصبح المواطن مهماً، وتُفتح الأبواب، وتكثر الوعود والمناشدات ويقولون نحن لكم، ويُقال له: نحن إلى جانبك.

لكن عندما تنتهي الانتخابات ويعود المواطن إلى مشاكله اليومية، إلى الغلاء والبطالة والنقل والدواء والفواتير، أين يصبح هذا الاهتمام؟

لماذا يكون صوت المواطن مهماً عندما يحتاجونه، بينما يصبح وجعه أقل أهمية عندما يحتاج هو إليهم؟

ثم هناك جرح آخر لم يُغلق بعد ودائع اللبنانيين التي عجز أصحابها عن الوصول إليها كما كانوا يتوقعون، والتي فقدت قيمتها وقدرتها الشرائية على مدى سنوات الأزمة.

هذه أموال ناس تعبوا من أجلها، ادخروا سنوات عمرهم، وبنوا عليها أحلام أولادهم ومستقبل عائلاتهم.

فكيف يُطلب من المواطن أن يدفع الضرائب والرسوم والفواتير، وأن يتحمل الغلاء والنقل والمحروقات، بينما أمواله ومدخراته التي وثق بها في النظام المالي أصبحت قضيةً مفتوحة بلا حل يطمئن أصحابها؟

المواطن دفع من جيبه، ودفع من عمره، ودفع من أعصابه،  ومن مستقبله  إلى متى؟

هذا الشعب، رغم كل شيء، ما زال متمسكاً بلبنان.

ما زال الأب يركض من الصباح حتى المساء ليؤمّن لقمة عيش عائلته، وما زالت الأم تحاول تدبير مصروف البيت، وما زال الشاب يحاول أن يبني مستقبله في وطنه رغم كل الصعوبات.

وأحياناً لا يطلب المواطن أكثر من أن يعود إلى بيته سالماً بعد يوم طويل من العمل والتنقل والركض خلف لقمة العيش.

فهل يدرك أصحاب القرار حجم هذه التضحية؟

لا يمكن أن نطلب من المواطن أن يبقى متمسكاً بوطنه بينما يشعر أن الوطن لا يتمسك به.

ولا يمكن أن نطلب منه المزيد من الصبر، بينما كل شيء حوله يزداد كلفةً وصعوبة.

الصبر لا يملأ ثلاجة فارغة.

الصبر لا يدفع إيجار منزل.

الصبر لا يؤمّن دواء مريض.

الصبر لا يدفع أجرة النقل.

والصبر وحده لا يعيد للمواطن أمواله ولا يبني مستقبلاً لأولاده.

يا أصحاب القرار، اقتربوا من الناس.

اسمعوا المواطن بعيداً عن الانتخابات.

اسمعوا الأب الذي لم يعد راتبه يكفي عائلته.

اسمعوا الأم التي تحاول تأمين حاجات أولادها.

اسمعوا الموظف الذي تلتهم كلفة النقل جزءاً من راتبه.

اسمعوا المودع الذي ينتظر ويطالب بأمواله وجنى عمره وحقه الذي سرق  منه في البنوك بالوقت الي كل بعض المسؤولين أموالهم حولت لا خارج لبنان…

واسألوا أنفسكم بصدق:

هل نريد من اللبناني أن يبقى في وطنه، أم ندفعه يوماً بعد يوم إلى البحث عن حياة أفضل خارجه؟

المواطن لا يريد رفاهية.

وهناك لبنانيون متمسكون بأرض الوطن ولم يغادروا إلى أي بلد… بالوقت الذي  فيه البعض منكم ايها المسؤولون لديه بيوت وأملاك واشغال خارج البلد.

اللبناني فقط يريد أن يعيش بكرامة في وطنه.

وإذا كان صوته مهماً عندما تحتاجونه، فيجب أن يكون وجعه مهماً عندما يحتاج إليكم!

فالمناصب مؤقتة، والانتخابات تمرّ، لكن وجع الناس لا يُنسى.

والسؤال الذي سيبقى أمام كل مسؤول:

ماذا فعلتم عندما كان المواطن يختنق؟

ماذا فعلتم عندما أصبح الغلاء لا يُطاق؟

ماذا فعلتم عندما أصبح البنزين والنقل والدواء والغذاء عبئاً يومياً؟

ماذا فعلتم عندما ضاعت قيمة مدخرات الناس؟

وماذا فعلتم عندما أصبح الأب يركض طوال النهار ليؤمّن لقمة عيش عائلته؟

كفى وعوداً. كفى تبريرات.

المواطن لا يريد أن يسمع عن المشكلة فقط.

يريد أن يرى الحل.

وإلى كل مسؤول في لبنان نقولها بوضوح:

المواطن ليس مجرد صوت عند الانتخابات، وليس رقماً في الإحصاءات، وليس الحلقة الأضعف التي تُحمَّل دائماً ثمن الأزمات.

إنه ابن هذا الوطن.

وكيف  يريد من الشعب  أن يبقى متمسكاً بلبنان، عليه أن يجعل هذا الوطن قادراً على احتضان أبنائه وحماية كرامتهم.

فإلى متى سيبقى المواطن هو من يدفع الثمن؟