العالمية / «الأم مواطنة لبنانية، ليست بطاقة طائفية… ومن حقها قانون يحميها لا يحاكمها.»
العالمية / نجلاء عمري

في بلد يتغنّى بالحرية والديمقراطية والتنوّع، ما زالت المرأة اللبنانية، بكل طوائفها، محكومة بقوانين أحوال شخصية تعود في جذورها إلى قرون مضت. قوانين لا تعترف بحقوقها كإنسانة كاملة، ولا كأم، ولا كشريكة في بناء أسرة. قوانين تجعلها، في لحظة واحدة، مجرّد «حاضنة مؤقتة» يمكن إزاحتها عندما تقرّر محكمة دينية أنّ «مدّة صلاحيتها» انتهت.
المشهد يتكرّر يومياً: نساء يُنتزَع أطفالهنّ منهنّ بطريقة «قانونية»، لأن القانون نفسه غير عادل.
لا يهمّ أن تكون الأم هي التي ربّت، علّمت، سهرت، ودفعت من صحتها ومن عمرها. فالولاية في معظم الأحوال تُمنح للرجل حكماً، حتى لو كان غائباً، مهملاً، أو غير قادر على القيام بدوره. والمرأة، مهما كانت كفاءتها، تبقى بلا سلطة، بلا صوت، وبلا قدرة على حماية أولادها.
المشكلة ليست في قاضٍ معيّن ولا في حالة فردية. المشكلة في نظام كامل يُسلّم مصير العائلات إلى محاكم دينية متعددة، كل منها يملك قانوناً مختلفاً للزواج والطلاق والحضانة والإرث. نظام يجعل المواطنين غير متساوين أمام الدولة، ويحوّل الأم إلى طرف ثانوي لا يملك حقوقاً ثابتة، بل امتيازات مؤقتة.
لماذا لا يوجد قانون مدني موحّد في لبنان؟
الجواب واضح: لأن هذا القانون ينقل السلطة من يد المؤسسات الدينية إلى يد الدولة؛ ولأن بعض القوى السياسية تستفيد من إبقاء المجتمع مشرذماً؛ ومشغولاً بحاجاته الأولية بدل المطالبة بحقوقه الأساسية؛ ولأن المساواة الحقيقية بين الرجل والمرأة ما زالت تُعتبر تهديداً، لا حقاً بديهياً.
لكن الواقع تغيّر، النساء لم يعدن صامتات. المجتمع لم يعد يرضى بقرارات تُدمّر حياة أمّ وجيل كامل من الأطفال.
والدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها من الظلم ليست دولة… بل ساحة بلا قانون.
إنّ اعتماد قانون مدني موحّد للأحوال الشخصية ليس ترفاً فكرياً، ولا مشروعاً سياسياً. هو خطوة إنسانية أولاً، وشرط أساسي لبناء مجتمع عادل ثانياً.
قانون يعترف بأن الأم مواطِنة كاملة، وليست خياراً ثانوياً.
قانون يحمي الطفل من أن يصبح ضحية صراع سلطات.
قانون يضع كرامة الإنسان فوق أي اعتبارات مذهبية أو طائفية.
وفي النهاية ، لبنان لن يتقدّم فعلاً إلا عندما يصبح القانون واحداً، والعدالة واحدة، والحقوق واحدة.
وإلى أن يحصل ذلك، ستبقى قصص النساء اللواتي خسرن أولادهن، شوكة في ضمير وطنٍ يرفض أن يتغيّر…
