العالمية / البلديات اللبنانية والمثقفون… حين يُهمَّش أصحاب الكتاب
كتب المؤلف والملحن جان السمراني

في لبنان، بلد الشعراء والكتّاب والمبدعين، ما زال المثقف في كثير من الأحيان يقف على أبواب المؤسسات المحلية وكأنه يطلب فضلًا، لا حقًّا ثقافيًّا. وما يؤلم أكثر أن بعض البلديات، التي يفترض أن تكون الأقرب إلى أبناء بلداتها وقراها، لا تزال تتعامل مع الثقافة باعتبارها ترفاً يمكن الاستغناء عنه، بينما تُصرف الأموال والجهود على مشاريع ومناسبات موسمية، ويُترك أصحاب الفكر والقلم في الظل.
ليس المقصود هنا التعميم على جميع البلديات، فهناك نماذج مشرّفة لبلديات أنشأت مكتبات عامة ومراكز ثقافية واستضافت أمسيات وندوات ومعارض كتب. لكن المشكلة تكمن في غياب سياسة ثقافية ثابتة لدى عدد كبير من البلديات، تجعل من المثقف المحلي شريكًا في بناء المجتمع، لا مجرد ضيف يُستدعى عند الحاجة إلى احتفال.
أين أصحاب المؤلفات؟
السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا تفعل البلدية تجاه ابن البلدة الذي أمضى سنوات من عمره في البحث والكتابة وأصدر كتابًا أو أكثر؟
هل تشتري البلدية نسخة أو نسخًا من مؤلفاته لمكتبتها؟
هل تدعوه إلى أمسية لتقديم كتابه؟
هل تنظم له حفل توقيع يليق بجهده؟
هل تضع مؤلفاته في مكتبة البلدية كي تبقى جزءاً من ذاكرة المكان؟
هل تكرّمه في حياته، لا بعد رحيله؟
هذه الأسئلة ليست مطالب شخصية، ولا دعوة إلى المجاملة، بل هي أبسط أشكال الاعتراف بدور الثقافة في المجتمع.
فالمؤلف الذي يكتب عن بلدته وتاريخها ورجالاتها وعاداتها وتراثها، إنما يحفظ جزءًا من ذاكرة البلدة من الاندثار. والشاعر الذي يكتب عن أرضه وأهلها، والمؤرخ الذي يوثق أحداثها، والباحث الذي يجمع تراثها، كل هؤلاء يؤدون خدمة عامة قد لا تقل أهمية عن أي مشروع إنمائي آخر.
البلدية ليست فقط زفتاً وإنارة
من حق الناس أن يطالبوا بالطرقات والمياه والإنارة والنظافة والحدائق، وهذه مسؤوليات أساسية لا جدال فيها. لكن البلدية ليست مؤسسة خدماتية فقط؛ إنها أيضًا جزء من الحياة الاجتماعية والثقافية للبلدة.
فما قيمة شارع جميل إذا كانت ذاكرة أهله تضيع؟
وما قيمة ساحة عامة إذا لم تتحول أحيانًا مساحةً للكتاب والشعر والموسيقى والفكر؟
وما معنى أن نحتفل بتراث البلدة في مهرجان سنوي، ثم نهمل المؤلفات التي وثّقت هذا التراث؟
الثقافة ليست زينة توضع على هامش الاحتفالات، بل هي التي تمنح المكان هويته وذاكرته وروحه.
المؤلف لا يريد مالاً من أجل المال، بل يريد اعترافًا بجهده وتقديرًا واحترامًا له.
كثير من أصحاب المؤلفات لا ينتظرون من البلديات مكافآت مالية كبيرة، ولا يريدون امتيازات خاصة. إنهم يريدون شيئًا أبسط بكثير: أن يشعروا بأن ما كتبوه له قيمة في بلداتهم.
شراء عدد محدود من نسخ الكتاب ووضعها في مكتبة البلدية، إقامة لقاءات أدبية، تخصيص رف أو أكثر للمؤلفين المحليين، تنظيم معرض سنوي لكتب أبناء البلدة، أو إطلاق جائزة ثقافية باسم شخصية أدبية راحلة، كلها مبادرات بسيطة، لكنها تعني الكثير للمثقٌف.
والأجمل أن البلدية بذلك لا تكرّم الكاتب وحده، بل تشجع الأجيال الجديدة على الكتابة والقراءة والإبداع.
لماذا يُكرَّم المثقف أحيانًا بعد موته؟
من المؤسف أن يتحول بعض المثقفين بعد رحيلهم أسماءً تُطلق على شارع أو قاعة أو مدرسة، بينما كانوا في حياتهم يبحثون عن باب مفتوح ليستمع إليهم أحد.
تكريم المثقف الحقيقي يجب أن يكون في حياته.
الشاعر يحتاج إلى منبر وهو حي.
الكاتب يحتاج إلى قارئ وهو حي.
المؤلف يحتاج إلى تشجيع وهو يواصل الكتابة.
والباحث يحتاج إلى مؤسسة تحفظ نتاجه قبل أن تضيع أوراقه ومخطوطاته.
أما التكريم بعد الرحيل، فعلى أهميته، لا يعوّض سنوات الإهمال.
الثقافة استثمار وليست خسارة
قد يقول البعض إن البلديات تعاني من أزمات مالية، وهذا صحيح في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان. لكن الثقافة لا تحتاج دائمًا إلى ميزانيات ضخمة.
قد تبدأ المبادرة من رف كتب صغير.
من أمسية شعرية في قاعة البلدية.
من لقاء مع مؤلف محلي.
من مكتبة عامة متواضعة.
من أرشيف يحفظ كتب أبناء البلدة.
ومن صفحة إلكترونية تعرّف بأدباء المنطقة ومؤلفاتهم.
وزارة الثقافة نفسها تؤكد أهمية المكتبات العامة، وتذكر أن التعاون مع البلديات والجمعيات كان أساسًا في إنشاء مكتبات شريكة في مناطق لبنانية عدة. كما أن الوزارة لديها برامج لدعم الكتب الثقافية والأدبية القيّمة، ودعم المبدعين والجمعيات والنوادي الثقافية.
إذًا، المطلوب ليس المستحيل، بل إرادة ثقافية محلية.
نريد بلديات تؤمن بالكتاب
نريد بلدية تقول لمؤلف من أبنائها: «كتابك بْيعنينا».
نريد بلدية تشتري من مؤلفي البلدة وتضع كتبهم في مكتبتها أو تهديها لمثقفين آخرين.
نريد بلدية توثق أسماء كتّابها وشعرائها وفنانيها.
نريد بلدية تنظم معرضًا سنويًّا للكتاب المحلي.
نريد بلدية تستضيف المثقف لا لمجرد التقاط صورة، بل للاستماع إلى تجربته.
نريد بلدية تؤمن أن الكتاب جزء من الإنماء، وأن الثقافة ليست كماليات.
فكما نحافظ على الحجر القديم، علينا أن نحافظ على الكلمة التي كتبت تاريخنا.
وكما نفتخر بآثار بلداتنا، علينا أن نفتخر بمثقفيها.
فالبلدة التي تهمل كتّابها، تهمل جزءاً من ذاكرتها.
والبلدية التي لا تفتح أبوابها أمام المثقف، تغلق نافذة من نوافذ المستقبل.
كلمة أخيرة إلى رؤساء البلديات
أيها المسؤولون عن بلداتنا وقرانا، لا تجعلوا المثقف آخر من تفكرون به.
بين أيديكم كتّاب وشعراء ومؤرخون وباحثون أصدروا كتبًا، وبعضهم أنفق من ماله ووقته وصحته ليحفظ تاريخ المكان وهويته.
اقتربوا منهم.
اقرأوا كتبهم.
استمعوا إليهم.
احتفوا بهم.
واشتروا مؤلفاتهم لمكتباتكم.
فربما لا يحتاج المثقف اللبناني إلى أكثر من أن يشعر بأن وطنه الصغير، بلدته وبلديته، ترى فيه قيمة حقيقية.
فالبلدية التي تحتضن الكتاب، تبني إنساناً.
والبلدية التي تكرّم المثقف، تحفظ ذاكرتها.
والبلدية التي تهمل أصحاب الفكر، قد تربح حجرًا جديدًا في شوارعها، لكنها تخسر حجرًا من أساس هويتها. والسلام على من يحبّ السلام.
