العالمية / “التواصل مع جيل زد: التحديات والممارسات الفضلى” في جامعة AUT

استضافت الجامعة الأميركية للتكنولوجيا (AUT) في حرمها الجامعي في الفيدار- جبيل يوم الخميس الواقع في 24 نيسان 2026، مؤتمراً وطنياً بعنوان “التواصل مع جيل زد: التحديات والممارسات الفضلى”، نُظِّم بالتعاون مع اتحاد مجالس أهالي مدارس كسروان وجبيل الكاثوليكية. وقد جمع المؤتمر أكاديميين ومربّين وممثلين عن مجالس الأهالي، يتقدمهم رئيس اتحاد لجان الاهل الاعلامي مارون ابو نجم، في فضاء حواري ثريّ، بهدف استجلاء سُبل تحسين التواصل مع الجيل الأكثر الأكثر انغماساً في الرقمي والأكثر مقاومةً للأطر التقليدية للمؤسسات التربوية والاهل.

انطلق المؤتمر بالنشيد الوطني، تلته كلمة الترحيب التي ألقاها الاستاذ مارسيل حنين, نائب الرئيس للعلاقات الخارجية في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا. وقد أشار حنين إلى أن انعقاد هذا المؤتمر ليس محض فعالية أكاديمية، بل هو تعبير طبيعي عن مسيرة طويلة قطعتها الجامعة في سبيل تعزيز جسور التفاهم والمعرفة المتبادلة، بين مؤسستها والطلاب المنتسبين إليها من جهة، وبين الخريجين من جيل زد وحاجات سوق العمل المتحوّلة من جهة أخرى.

وأكد حنين أن الجامعة تنظر إلى التواصل مع هذا الجيل باعتباره رسالة تربوية أساسية لا تكتفي بمجرد نقل المعرفة أو الانسياق وراء متطلبات الشهادات، بل تسعى إلى بناء علاقة متجذّرة في الفهم المتبادل، تضمن قدرة الطالب على الاندماج الفاعل في بيئة عمل تتشكّل يوماً بعد يوم وفق معادلات مغايرة تماماً لما عرفته الأجيال السابقة. وقد أعقبت كلمة حنين عرض تعريفي موجز عن الجامعة قدّمته السيدة كالين كرم، مديرة تسجيل الطلاب واستقطابهم.

قدّم الدكتور بيار الخوري, نائب الرئيس المساعد للعلاقات الخارجية، مداخلة تمهيدية بعنوان “الأسس والتعقيدات في التواصل مع جيل زد”، مستعرِضاً خمسين إحصاءة عالمية توفّر خريطة ديموغرافية وسلوكية وقيمية شاملة لهذا الجيل.

واستوقف الخوري الحضور عند ثلاثة محاور رئيسية: أولها الديموغرافيا إذ بات جيل زد يُشكّل نحو 25% بالمئة من سكان العالم، وهو الجيل الأول الذي نشأ في ظل الإنترنت والهاتف الذكي منذ الطفولة. وثانيها السلوك والقيم، حيث تُظهر الأبحاث أن هذا الجيل يُولي أهمية قصوى للأصالة والشفافية في التعامل، ويرفض الأساليب التقليدية المبنية على الإلزام والتسلّط. وثالثها العلاقة المثلّثة بين الأهل والمدرسة والتلاميذ، وهي علاقة تعيش تحوّلات بنيوية عميقة تستوجب إعادة تعريف الأدوار وتوزيع المسؤوليات.

شكّلت مداخلة الأخت رومانا بو طانوس, رئيسة مدرسة راهبات الوردية في بلاط/جبيل، المحور الأول من المحورين الرئيسيين للمؤتمر. وقد انطلقت الأخت رومانا من سؤال جوهري: هل نحن نتعامل مع جيل زد بمنطق المدرّب أم بمنطق المرافق؟

وأكدت المتحدّثة أن فهم الحاجات والدوافع السلوكية لهذا الجيل يستلزم أولاً الخروج من منطق ردّة الفعل والتحدّي، والانتقال إلى نهج استباقي يقوم على العاطفة والرسالة التربوية. فالطالب من جيل زد يستشعر بدقة شديدة متى يكون المعلم أو المدير أمامه بدافع الواجب ومتى يكون بدافع الاهتمام الحقيقي، وهذا الفارق الدقيق يحدد في كثير من الأحيان مسار العلاقة التربوية برمّتها.

ولفتت الأخت رومانا إلى أن تشجيع الطالب على طلب المعرفة بدلاً من إرغامه عليها يُنتج مخرجات تعليمية أفضل بمراحل، مؤكّدةً أن البيئة المدرسية التي تصنع الانتماء لا الامتثال، هي وحدها القادرة على استنهاض الطاقات الكامنة لدى هذا الجيل وتحويلها إلى مشاركة فاعلة.

أعقب ذلك نقاش حيوي أدارته الدكتورة كريستيان صفير, عميدة كلية الفنون والعلوم الإنسانية في الجامعة، بمشاركة كلٍّ من: السيدة ريتا فرح من المدرسة الانطونية الدولية/عجلتون، والسيدة سُميّة لقيس من مدرسة الفرير المريسيين/جبيل، والسيد شربل عيد أمين صندوق اتحاد مجالس الأهل.

انتقل المؤتمر في شقّه الثاني إلى المحاضرة الرئيسية التي قدّمتها السيدة سابين بلان عون, المستشارة التربوية والخبيرة القانونية، وهي من الشخصيات البارزة في مجال الدراسات التربوية المقارنة. تناولت محاضرتها موضوع “إعادة التفكير في المقاربة البيداغوجية في عصر جيل زد” بنظرة نقدية وعملية في آنٍ واحد.

انطلقت بلان عون من تشخيص صريح: المناهج التقليدية والأساليب البيداغوجية الموروثة باتت تعمل وفق منطق زمني مغاير تماماً لمنطق هذا الجيل. فجيل زد لا يتلقّى المعلومة، بل يتفاعل معها؛ لا يقبل السلطة لمجرد كونها سلطة، بل يُريد أن يفهم الأسباب والغايات.

وأشارت المتحدثة إلى أن المؤسسات التعليمية التي تتعامل مع التحوّل الرقمي باعتباره تهديداً أو مصدر إلهاء تُحكم على نفسها بالتهميش في عيون طلابها. في المقابل، تلك التي تتبنّى الأدوات الرقمية وتدمجها في منظومتها التعليمية تُحوّل هذه الأدوات من عامل تشتيت إلى رافعة للتعلّم. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: ليس في مواجهة التكنولوجيا، بل في تأهيل المعلمين والمؤسسات لاستثمارها بذكاء.

وخلصت بلان عون إلى أن الانتقال الحقيقي في المقاربة البيداغوجية يتطلّب ثلاثة تحوّلات متزامنة: من التلقين إلى الاكتشاف، من الرقابة إلى الثقة، ومن المعلومة إلى بناء المعنى. وهذه التحوّلات ليست ترفاً أكاديمياً، بل هي شرط وجودي لبقاء المؤسسة التربوية ذات صلة بالجيل الذي تخدمه. أعقبت المحاضرة جلسة تعقيبات أدارها الدكتور وليد كرم, رئيس قسم علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي في الجامعة، بمشاركة: السيد مارون أبي نجم رئيس اتحاد مجالس الأهل، والسيدة غريس فهد من مدرسة سان جان عقيبة، والسيدة كارلا بشارة طنوس منسّقة ومعلمة في ثانوية جبيل الرسمية

في ختام أشغال المؤتمر، قرأ الدكتور بيار الخوري جملة من التوصيات التي خلص إليها المشاركون كمخرجات عملية قابلة للتطبيق، وهي:

  1. من الرقابة إلى المرافقة النمائية: تبنّي نهج تربوي يرافق الطالب في نموّه بدلاً من الاكتفاء بمراقبة سلوكه وضبطه.
  2. من الامتثال إلى الانتماء: السعي إلى بناء شعور حقيقي بالانتماء للمؤسسة المدرسية بديلاً عن الانسياق القسري لقواعدها.
  3. علاقة الأهل بالمدرسة: الانتقال من نموذج الإبلاغ الأحادي الاتجاه إلى نموذج الشراكة الفاعلة المبنية على الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة.
  4. الاعتراف بجيل زد كواقع مختلف: عدم التعامل مع هذا الجيل باعتباره نسخة محدّثة عمّا سبقه، بل كواقع له منطقه وقيمه وأدواته المستقلة.
  5. قبول أدوات المعرفة الرقمية: الإقرار بالذكاء الرقمي لهذا الجيل واعتماد أدواته ركيزةً في العملية التعليمية بدل مقاومتها.
  6. جعل العاطفة أساس العملية التربوية: إعادة الاعتبار للبُعد الإنساني في التعليم، بحيث تصبح العلاقة العاطفية بين المعلم والطالب منطلقاً للتحصيل لا هامشاً اختيارياً.

في ختام المؤتمر، جرى توقيع مذكرة تفاهم بين الجامعة الأميركية للتكنولوجيا واتحاد مجالس الأهل في المدارس الكاثوليكية في قضائي جبيل وكسروان وقعها كل من نائب الرئيس الاستاذ مارسيل حنين ورئيس اتحاد لجان الاهل السيد مارون ابي نجم عن الجانبين، لتتحوّل توصيات المؤتمر من إطار نظري إلى شراكة مؤسسية فاعلة. ثم وُزّعت الدروع التكريمية على جميع المتداخلين تقديراً لإسهاماتهم في إثراء النقاش. توّج المؤتمر بحفل استقبال نظمته الجامعة التأم فيه الحضور من أكاديميين وتربويين وممثلي الأهالي، وعبّر فيه المشاركون عن حجم الأثر الذي تركه هذا اللقاء في نفوسهم، ورأى كثيرون منهم أن التواصل الحقيقي حول جيل زد يجب ان يستكمل بنشاطات لاحقة لما لذلك من اثر على حماية العائلة والمدرسة ومستقبل الاجيال.