العالمية / التوقيعات الأدبية…عافية أدبية أم سلعة تجارية؟ – صقر البعيني

انتشرت وبكثرة في الفترة الأخيرة “موضة” طباعة الكتب وبخاصة الشعرية منها، والتواقيع المرافقة لها. أنا لست ضد هذه الظاهرة أبدًا بالعكس أنا أدعو وأتمنى ازدهارها، فالبلد الذي ليس فيه نتاج ثقافي يكون بلدًا جافًا لا حياة فيه.

لكن قلّما نجد شاعرًا يكتب الشعر المبني على القواعد الأساسية للشعر، فالشعرُ القديم كان ذا معنى ومغزى، إذ كان الناس يتغنون بالشعر والشعراء العرب ليس فقط في العالم العربي لا بل في العالم الغربي أيضًا، حيث أنّ التاريخ يذكر كيف أنّ الملوك الأوروبيين يستدعون الشعراء العرب إلى بلاطهم كي يستمعوا إلى الشعر العربي، حتى وصل الأمر ببعض الملوك الأوروبيين أن يتعلّموا اللغة العربية كي يفهموا معاني الكلمات الشعرية، هذا ما يسمى العصر الذهبي للشعر العربي.

بعد ذلك تعرَّض الشعر العربي لنكسةٍ كبيرة حيث سمِّي ذلك العصر بعصر الانحطاط، وظلَّ حال الشعر العربي ما بين صعودٍ وهبوط لفتراتٍ كثيرة، وقد مرَّ ولسنين ليست ببعيدة بازدهارٍ على يدِ شعراء مخضرمين من أمثال الراحلَين نزار قباني وجورج جرداق وغيرهما من الشعراء الذين أغنوا المكتبة العربية شعراً مميزًا، والجدير بالذكر أنَّ هؤلاء الشعراء كانوا يصدرون دواوين شعرية ولكن بفتراتٍ بعيدة جدًا لا لتقصيرٍ في نتاجهم الشعري أو عدم قدرتهم على طباعة ديوان جديد ولكن ذلك مردُّه إلى منح الديوان الصادر حديثًا حقَّه من الإنتشار.

أمّا في أيامنا هذه فنرى الشعراء غزيري الإنتاج ويعتمد معظمهم على كتابة الشعر الحديث الذي لا لون له ولا ريحة، لا وزن أدبيَّا له، فتفاجأت بكمية الشعراء الذين لا يتوانون عن إصدار الدواوين الشعرية.

لوهلةٍ اعتقدتُ بأنَّ لديهم موهبة شعرية هائلة، ولكنني صُدمت ببعضهنَّ وببعضهم بأسلوب شعرهنَّ أو شعرهم، ووجدتُ بأنَّ معظم كتاباتهنَّ أو كتاباتهم لا تتعدى الوجدانيات أو الخواطر، وفي بعض الأحيان تُعتبر صفصفة حكي، إذ بإمكان أيٍّ كان أن يكتب هذا الأسلوب وبأريحية.

مرّة استحثَّتني حشريتي أن أسأل أحدهم لماذا هذه الغزارة في إنجاز الدواوين؟ فأجابني بكل صراحة بأنَّ الدواوين يكون عدد صفحاتها قليل وحجم الأوراق صغير ويبيع النسخة بسعرِ كتابٍ عادي ويجني الأرباح من المدعوّين من الأصدقاء وبعض الشخصيات المرموقة التي بالطبع ستدفعُ مبلغًا كبيرًا بحكم مركزها الاجتماعي، ما يخوِّله طباعة دواوين أخرى وهكذا دواليك.

من هنا السؤال يطرحُ ذاته:

التوقيعات الأدبية…عافية أدبية أم سلعة تجارية؟