العالمية / الخلافُ يهدمُ الدار والاختلافُ يبني الجوار
بقلم المحامي كميل حبيب معلوف

أيّهما أشدُّ خطرًا على الدار: رجلٌ يخالفك الرأيَ، أم رجلٌ يخاصمك في الحائط؟
في حارةٍ من حارات بيروت العتيقة، جلس شيخان على مقعدين متجاورين أمام مقهىً قديم، يحتسيان القهوة ويتجادلان في أمرٍ لا يعنيهما إلا بمقدار ما يُبقي الحديثَ حيًّا. قال أحدهما إن العدالة بطيئةٌ لأنها حكيمة، وقال الآخر إنها بطيئةٌ لأنها مُثقَلة. ظلّا على رأيين حتى أذّن المغرب، ثم قاما يتأبّط كلٌّ منهما ذراعَ صاحبه إلى بيتٍ واحد. وفي الطابق الأعلى من المبنى نفسه جارانِ لا يتبادلان التحية منذ سنين، بسبب حائطٍ فاصلٍ لم يُعرف في أيّ الأرضَين يقوم. هذا هو الفرقُ كلُّه: الأول اختلافٌ، والثاني خلاف.
وتُنبئك اللغةُ بالسرّ قبل أن يُنبئك به القانون. فـ«الخلاف» مصدر «خالَف» على وزن «فاعَل»، وهو وزن المفاعلة الذي يقتضي طرفَين متقابلَين، يقف كلٌّ منهما في وجه صاحبه. أما «الاختلاف» فمصدر «اختلف» على وزن «افتعل»، ويُلمَح فيه تباينُ الطرق وتعدّدُها من غير أن يسدّ أحدها على الآخر، كما يختلف الليلُ والنهار ولا يستقيم أحدهما بلا صاحبه. فالخلافُ نزاعٌ على الشيء، والاختلافُ تنوّعٌ في النظر إليه.
وحين دخلت الفكرةُ رحابَ القانون العام اتخذت ثوبَ الحرية. فالدستور اللبناني يقيم الجمهورية، في الفقرة (ج) من مقدمته، على احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، ثم يكفل في المادة ١٣ حريةَ إبداء الرأي قولًا وكتابةً، ولكن «ضمن دائرة القانون». وهذا القيدُ هو الحدُّ الفاصل بين الأمرين: فالاختلافُ يسكن داخل الدائرة، والخلافُ هو الذي يتجاوزها إلى كرامة الناس وأمنهم. والمجتمعُ الذي لا يحتمل الرأيَ المغاير يحوّل كلَّ اختلافٍ إلى خلاف، وكلَّ خلافٍ إلى خصومة.
وفي العقود يتجلّى الفرق بأوضح صورة. فقد أوجبت المادة ٣٦٦ من قانون الموجبات والعقود اللبناني على القاضي أن يقف على قصد المتعاقدين جميعًا، لا أن يقف عند معنى النص الحرفي. وسار على النهج نفسه المشرّعُ المصري في المادة ١٥٠ من القانون المدني، فمنع الانحرافَ عن العبارة الواضحة، وأحال عند الغموض إلى النية المشتركة، وسار عليه المشرّعُ الفرنسي في المادة ١١٨٨ من التقنين المدني بعد إصلاح عام ٢٠١٦. فاختلافُ الطرفَين في فهم بندٍ أمرٌ عاديٌّ تحلّه قواعد التفسير، فإذا انقلب إلى تمسّكٍ بالحرف وجحودٍ للنية صار خلافًا، ومكانُه القضاء.
وللخلاف في القانون الدولي تعريفٌ يشهد له التاريخ. فقد عرّفت المحكمةُ الدائمة للعدل الدولي سنة ١٩٢٤، في قضية «ماڤروماتيس»، النزاعَ بأنه خلافٌ على مسألة قانونية أو واقعية، وتعارضٌ في وجهات النظر القانونية أو في المصالح بين شخصَين. وخصّص ميثاقُ الأمم المتحدة فصلًا كاملًا من فصوله، هو السادس، لحلّ المنازعات حلًّا سلميًّا بالمفاوضة والوساطة والتحكيم وسائر الوسائل السلمية. أي إن العالم، حين أراد أن يمنع الحروب، لم يطلب من الدول أن تتفق، وإنما طلب منها أن تُحسن الاختلاف.
ومن هنا كان للقانون وظيفتان: أن يفصل في الخلاف، وأن يصون الاختلاف. فقد أجاز قانونُ أصول المحاكمات المدنية اللبناني، في المادة ٧٦٢ منه، للمتعاقدين أن يُدرجوا بندًا يحيل ما ينشأ بينهم من منازعاتٍ قابلةٍ للصلح إلى التحكيم، ثم فصّل أحكامَه حتى المادة ٨٢١. وهكذا جعل المشرّعُ التحكيمَ طريقًا يُحوِّل الخلافَ إلى اختلاف، والخصمَ إلى محاور.
وفي ختام السهرة أطفأ صاحبُ المقهى مصباحَه، وانصرف الشيخان كلٌّ إلى فراشه، وقد تفرّقا على رأيين وهما أقربُ ما يكونان قلبًا. وفي الطابق الأعلى ظلّ المصباحان مضاءَين، وظلّ الجاران مستيقظَين، كلٌّ يعدّ حججَه لجولة الغد. فمن أراد أن يعرف أهو في خلافٍ أم في اختلاف، فليسأل نفسه: هل أريد أن أُقنع صاحبي، أم أريد أن أهزمه؟
الاختلافُ يُثري الرأي، والخلافُ يُفني الرأيَ والرأيَ الآخر.
