العالمية / الزيجات غير المسجلة… تهديدٌ صامت لاستقرار الأسرة وحقوق الأبناء – سمر قرة

الزواج السليم علاقة تقوم على الشراكة والمسؤولية، وتتكامل منظومة حقوقه وواجباته بالضمان القانوني والتوثيق الرسمي. ومن هذا المنطلق، تبرز قضية “الزيجات غير المسجلة” بوصفها إحدى أكثر القضايا الاجتماعية والأحوال الشخصية حساسية، لما تخلّفه من آثار عميقة تتجاوز حدود الزوجين لتطال الأبناء وبنية المجتمع ككل.

وفي هذا السياق، جاءت أولى الجلسات التوعوية التي نظمتها *الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة* بالتعاون مع منظمة “أنتِ الحياة”، لتسلط الضوء على أهمية توثيق عقود الزواج، وآثار عدم تسجيله على حقوق الزوجين والأبناء، *لا سيما على الزوجة*، إضافة إلى استعراض الإجراءات القانونية المتاحة لمعالجة أوضاع الزيجات غير المسجلة؛ في مبادرة تؤكد أن الوعي القانوني يمثل خط الدفاع الأول عن الأسرة وحمايتها.

هل الزواج عقدٌ وحسب؟

قد ينظر البعض إلى تسجيل الزواج بوصفه مجرد إجراء إداري شكلي يمكن تأجيله، إلا أن الواقع القانوني والعملي يثبت أن التوثيق هو الضمانة الأساسية لإثبات الحقوق وصونها. ففي لبنان، ورغم خضوع قضايا الأحوال الشخصية لقوانين الطوائف المتعددة، يبقى تسجيل الزواج واستكمال معاملاته الرسمية خطوة جوهرية لإثبات العلاقة الزوجية أمام الجهات المختصة وترتيب آثارها القانونية والشرعية.

إن بقاء العقد خارج السجلات الرسمية يفتح الباب واسعًا أمام نزاعات معقدة، ويجعل إثبات الحقوق أكثر صعوبة، لا سيما عند نشوب الخلافات، أو وقوع الوفاة، أو الحاجة إلى إنجاز معاملات رسمية ملحة تخص الأسرة.

الطفل… أول من يدفع الثمن

تتعدى القضية كونها “ورقة رسمية”، لتسلط الضوء على ما تمنحه هذه الورقة من حماية قانونية وشخصية. فغياب تسجيل الزواج يتسبب في تعقيد إجراءات تسجيل المواليد واستخراج وثائقهم الرسمية، ممّا قد يحرم الأطفال من حقوق أساسية كالتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية.

وتشدد الإرشادات الصادرة عن الجهات الرسمية والمنظمات الحقوقية في لبنان على ضرورة استكمال إجراءات التوثيق لتفادي الوقوع في فخ التهميش القانوني، وضمان الحماية الكاملة للطفل.

زواج القاصرات… مضاعفة المخاطر والتهميش

تزداد حدة الأزمة حين يقترن غياب التوثيق بزواج القاصرات؛ حيث تجتمع الهشاشة القانونية مع عدم اكتمال النضج الجسدي والنفسي والاجتماعي للفتاة. فالقاصر التي تُحرم من مقاعد الدراسة وتُدفَع لتحمل أعباء أسرية مبكرة تصبح الأكثر عرضة للدوران في حلقة الفقر والتهميش، في حين يؤدي غياب التسجيل الرسمي إلى سلبها أي مظلة حماية قانونية قد تطالب عبرها بحقوقها.

ومن هنا، يصبح التصدي لهذه الظاهرة وحماية الطفولة التزامًا أخلاقيًا وقانونيًا ينسجم مع مبادئ الكرامة الإنسانية ودرء الضرر.

الوعي… أقصر الطرق إلى الوقاية

تكتسب المبادرات التوعوية أهميتها من كونها تفتح آفاق الحلول والوقاية المستدامة؛ فالأسرة الملمّة بحقوقها وأطرها القانونية تكون أقل عرضة للوقوع في الفراغ التشريعي. كما أن إدراك الشباب والفتيات لأهمية التوثيق يحول دون التعامل مع التسجيل كإجراء شكلي، بل كركيزة أساسية تصون المستقبل وتضمن الحقوق.

وهذه المسؤولية لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل هي واجب تكاملي تشترك فيه الأسرة، والمؤسسات الدينية والقضائية، والقطاعات التربوية، والإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، لترسيخ ثقافة تعتبر التوثيق جزءًا أصيلًا من استقرار البناء الأسري.

أسرة محمية… لمجتمعٍ أقوى

تُقاس قوة المجتمعات ومدنيّتها بمدى قدرتها على صون إنسانها داخل النواة الأسرية. فعندما يكون الزواج موثقًا، والحقوق صريحة، والأبناء مسجلين، تكتسب الأسرة متانتها واستقرارها، ويكون المجتمع أكثر مناعة في مواجهة الأزمات.

لقد حملت الجلسة التوعوية رسالة تتجاوز حدود الأطر القانونية الصماء: إن حماية الأسرة تبدأ بالوعي، والحقوق لا تُترك للظروف أو حسن النوايا، بل تُصان بالتوثيق والمعرفة واحترام القانون. فمجتمع الغد يُبنى بأسرة تعي حقوقها، وتؤدي واجباتها، وتؤمن بأن العدالة تبدأ من بيتٍ تحميه التشريعات وتصونه القيم.