العالمية / بين استقلالٍ منقوص وذاكرةٍ مثقلة: هل نملك شجاعة بناء وطن يليق بنا؟
العالمية / سمرقرة

في كل عام، تعود مناسبة الاستقلال لتفتح أبواب الأسئلة قبل أبواب الاحتفال. ففي 22 تشرين الثاني 1943، انتزع اللبنانيون استقلالهم من الانتداب الفرنسي بعد نضال سياسي وشعبي قاده رجال دولة وصحافة وأحزاب ومواطنون، آمنوا بقدرة وطنهم على إدارة مصيره. هذا التاريخ، الموثق في سجلات الدولة ومعارك رجالها، لم يكن نهاية الطريق… بل بدايته. لكن، بعد أكثر من ثمانية عقود، يتساءل اللبنانيون اليوم بمرارة: هل اكتمل الاستقلال فعلاً، أم أننا انتقلنا من وصاية إلى أخرى، ومن نفوذ خارجي إلى نفوذ داخلي أشدّ فتكاً؟ من الاستعمار العسكري إلى الاستنزاف الداخلي.
لا خلاف على أن لبنان تحرر من الوجود العسكري الأجنبي: خرجت القوات الفرنسية في الأربعينيات… انسحبت القوات الإسرائيلية من معظم الجنوب عام 2000 بقرار موثق دولياً… وتلا الحرب السورية انسحاب الجيش السوري عام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري… لكن ما لم يخرج من لبنان هو الفساد!
تقول تقارير ديوان المحاسبة والهيئات الرقابية اللبنانية، وتقارير البنك الدولي، إن لبنان خسر خلال العقود الأخيرة مليارات الدولارات نتيجة سوء الإدارة، والزبائنية السياسية، واستغلال المال العام. وتؤكد دراسة البنك الدولي الصادرة عام 2021 أن الأزمة الاقتصادية اللبنانية تُعد من بين أكبر ثلاث أزمات مالية يشهدها العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر.
هذه ليست آراء… هذه حقائق موثقة.
شهداء بلا عدد… وذاكرة تبحث عن عدالة
حين نتحدث عن الشهداء، لا نتحدث فقط عن شهداء الحروب:
الحرب الأهلية (1975–1990) التي أودت بما يقارب 120 ألف ضحية بحسب التقديرات الرسمية.
اجتياحات واعتداءات إسرائيل المتكررة.
أحداث داخلية متناثرة عبر العقود.
بل نتحدث أيضاً عن شهداء الانهيار: مَن ماتوا بسبب الفقر وانقطاع الدواء… مَن خسروا مدخرات عمرهم في المصارف… مَن اختنقوا في المستشفيات خلال جائحة كورونا، ومَن سقطوا في 4 آب 2020، الانفجار الذي وثّقته منظمة هيومن رايتس ووتش باعتباره أحد أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ، وسط غياب كامل للمحاسبة.
هؤلاء أيضاً شهداء… شهداء الفوضى، والحرمان، والسلطة التي تركت الناس وحيدين في مواجهة مصيرهم.
استقلال أم مجرد ذكرى؟
حين ننظر بصدق إلى واقعنا، ندرك أنّ الاستقلال ليس وثيقة تُوقّع، ولا احتفالًا يُقام. الاستقلال منظومة قيم: سيادة، عدالة، مؤسسات قوية، إنسان مصان الكرامة. ما حصل هو أننا تحرّرنا من المستعمر، لكننا لم نتحرّر بعد من فساد الداخل، ومن الارتهان للخارج، ومن الخوف الذي يربّي مواطناً ضعيفاً ودولة هشة.
رسالة إلى اللبنانيين…
في ذكرى الاستقلال، أتقدّم من جميع اللبنانيين بأصدق مشاعر التضامن. رحمةً لكل من سقط شهيداً في الحروب العبثية، ورحمة لكل من خسر حياته بسبب الفوضى وسوء القرار، ورحمة لكل من انهار تحت ثقل اقتصادٍ لم يكن عادلاً يوماً مع شعبه. علّنا نبلغ يوماً استقلالاً جديداً، استقلالاً يكتبه الإنسان حين ينهض من وجعه ويُطالب بدولة تليق بوجوده!
