العالمية / بين الخيمة وطاولة القمار – فوزي عساكر

مررتُ بأحد القصور المتاخم للطريق العام، والمتخطّي التراجع الهندسي القانوني، مسيطرًا على الأوتوستراد الدولي. وفيما أنا مندهش بالهندسة المعمارية للقصر، سَمعتُ صراخَ طفلٍ، من على إحدى نوافذ القصر المطلّة على الطريق. فقادني حناني وقلقي للاقتراب، علّني أستطيع المساعدة إذا لزمَ الأمر.

دُهشتُ، وأنا أشاهد طفلاً يصرخ من جوعه إلى وجبة الحليب، مناديًا أمّه، وهي تقف إلى الباب، تبكي ولا تُجيب. فدفعني فضولي لمراقبتها وهي صامتة تطرق الباب، وفي الغرفة الثانية خلف الباب المقفل، أصواتٌ وضجيج.

إقتربتُ من النافذة الثانية، فإذا بي أرى والد الطفل منسجمًا متمحّسًا على طاولة القمار، يقامر حتى بثمن حليب طفله، بعد أن سرق أموال شعبٍ كاملٍ لبناء قصره، في الملك العام!

تَمامًا، كما نرى في خيمة اعتصام العسكريين والمعلمين والمواظفين والمتقاعدين، أمام مَجلس النواب والقصر الحكومي، مطالبين بلقمة عيشهم، من مسؤولين يقامرون بلقمة عيشهم، والقرار ليس بأيدي الصغار، بل بأيادي أصحاب القرار.

ذلك الطفل الجائع للحليب، ينادي أمه التي لا تَملك ثَمن الحليب، والأب يقامر على طاولة المراهنات، غير آبهٍ بِجوع طفله، مع أنه صاحب القرار!

نعم أيها المتظاهرون في الساحات، بين الخيمة وطاولة القمار، قد تَموتون جوعًا وبردًا وقهرًا داخل الخيمة، فيما أصحاب القرار الذين سرقوا أعماركم لبناء قصورهم، حتى في الملك العام، يقامرون بِما سرقوه من تعبكم، ولن يرحَموكم أبدًا.

ألا تذكرون ليالي المتظارهين في الشوارع، وعدد الخيم التي تكسّرت على رؤوسهم، من أزلام الذين سرقوهم وحكموهم وما زالوا… يَحكمون ويتحكّمون؟!

لن يتغيّر شيء إلاّ عدد الضحايا والمهاجرين والبائسين في جُمهوريةٍ وَضعتْ مصيرَ شعبها بين الخيمة وطاولة القمار!

فوزي عساكر