العالمية / بين الشعر الزجلي المنبري والشعر المحكي الكتابي – جان السمراني

يحتلّ الشعر اللبناني المحكي مساحة واسعة في الذاكرة الأدبية والشعبية اللبنانية، غير أنّ هذه المساحة ليست لونًا واحدًا من الشعر. فثمة فرق واضح بين الشعر الزجلي الذي يُكتب للمنبر ويُقال أمام الجمهور، وبين الشعر المحكي الذي يُكتب ليُقرأ، ويُتلقّى نصًّا أدبيًا قائمًا بذاته.

وقد يبدو الاثنان متشابهان للوهلة الأولى، لأنهما يستعملان اللغة اللبنانية المحكية، وقد يشتركان في الوزن والقافية والصورة الشعرية. لكنّ الاختلاف الحقيقي يكمن في وظيفة النص وطريقة بنائه ودرجة اعتماده على الصوت والحضور والأداء.

ومن هنا يمكن القول إن الزجل المنبري هو شعرٌ يتكامل مع المنبر، بينما الشعر المحكي الكتابي هو شعرٌ يستطيع أن يعيش على الورق حتى في غياب الشاعر وصوته.

أولًا: الزجل المنبري… شعر يُقال قبل أن يُقرأ

نشأ الزجل اللبناني في بيئة شعبية ارتبط فيها الشعر بالمجالس والمناسبات والمبارزات والمهرجانات. ولذلك كان المنبر جزءًا أساسيًا من هويته.

فالزجّال لا يكتب النص فقط، بل يضع في حسابه منذ البداية كيف يحفظ النص ويُلقيه، وكيف سيتلقّاه الجمهور، وأين تقع الضربة الشعرية، ومتى تأتي القفلة التي تستدعي التصفيق أو الضحك أو التفاعل.

ولهذا فإن قيمة البيت الزجلي لا تُقاس بالكلمات وحدها؛ فالنبرة، والإيقاع، والوقف، وحركة الجسد، وطريقة الإلقاء، وحتى ردّة فعل الجمهور، قد تصبح عناصر مشاركة في صناعة المعنى.

والزجل المنبري، في كثير من أشكاله، يميل إلى:

وضوح الفكرة وسرعة وصولها.

المباشرة في التعبير.

القفلة القوية.

اللعب اللفظي.

المفارقة.

الحوار والمواجهة.

السخرية والتعريض.

استنهاض الجمهور وإشراكه في النص.

ولهذا فإن التصريح سمة بارزة فيه.

فالزجّال، حين يريد أن ينتقد شخصًا أو ظاهرة أو موقفًا، قد يسمّي الأشياء بأسمائها أو يقترب كثيرًا من تسميتها، لأن المنبر يحتاج إلى سرعة الفهم وسرعة التفاعل.

ثانيًا: الشعر المحكي الكتابي… شعر يُقرأ قبل أن يُلقى، أما الشعر المحكي الكتابي، فهو وإن كان يستعمل اللهجة اللبنانية، لا يتوقف وجوده على المنبر.

إنه نص أدبي يمكن للقارئ أن يأخذه من الصفحة ويقرأه منفردًا، فيستمتع بالصورة، والإيحاء، والموسيقى الداخلية، والتركيب، والدلالة.

وهنا تصبح اللغة المحكية أداة شعرية وليست مجرد وسيلة للتخاطب اليومي.

الشاعر المحكي لا يكون مضطرًا دائمًا إلى أن يقول الفكرة بصورة مباشرة. يستطيع أن يترك للقارئ مساحة للتأويل، وأن يبني المعنى على الرمز والإيحاء والصورة.

ومن هنا تأتي العبارة التي تختصر فرقًا أساسيًا بين اللونين:

الزجل تصريح، والشعر المحكي تلميح.

لكن هذه العبارة لا ينبغي أن تُفهم على أنها قاعدة مطلقة، بل باعتبارها اتجاهًا فنيًا غالبًا.

ثالثًا: التصريح والتلميح.

التصريح يعني أن تكون الفكرة قريبة من سطح النص.

عندما يريد الزجّال أن يكتب كم هو مشتاق لحبيبته فيقول مثلا:

صرلي زمان كتير ناطر شوفها / وما كانت الّي بحبها تعرف تجي

أما الشاعر المحكي فقد يختار طريقًا آخر كالأخوين رحباني:

حفرت خيالي الشمس عَ المفرق / ورفّ الحساسين الإجا تفرّق

في المثال الثاني لم يُذكر الشوق مباشرة، لكن الصورة توحي به.

وهنا تظهر إحدى أهم خصائص الشعر المحكي الكتابي: إشراك القارئ في إنتاج المعنى.

القارئ لا يتلقى الرسالة جاهزة، بل يكتشفها.

والشعر، كلما ترك للقارئ مساحة للتأويل من دون أن يفقد وضوحه الفني، ازدادت قابليته لإعادة القراءة.

رابعًا: المنبر يصنع نوعًا من الشعر، وهو ليس مكانًا محايدًا.

فالشاعر الذي يقف أمام مئات الأشخاص، يعرف أن أمامه ثواني قليلة لشدّ انتباههم. لذلك يحتاج إلى عبارة قوية، وصورة سريعة، وقافية سهلة الالتقاط، وإيقاع واضح.

وهذا يفسّر كثرة حضور:

القفلة، والمفارقة، والنكتة، والتورية، والمواجهة، والجواب السريع

في الشعر الزجلي المنبري.

أما الشاعر الذي يكتب نصًا محكيًا للكتاب، فهو لا يواجه جمهورًا أمامه في اللحظة نفسها.

لذلك يستطيع أن يكتب جملة تحتاج إلى التأمل، وصورة لا تُفهم من القراءة الأولى، ومشهدًا شعريًا مكثّفًا يتكشف تدريجيًا.

خامسًا: من أهم الفروق أن الجمهور في الزجل المنبري ليس متلقيًا صامتًا دائمًا.

فقد يضحك، يصفق، يهتف، يقاطع، يردّد، وقد يؤثر حضوره في طريقة أداء الشاعر.

لذلك يمكن النظر إلى بعض أشكال الزجل المنبري بوصفها فنًا أدائيًا جماعيًا، لا مجرد قصيدة مكتوبة.

وهنا يصبح نجاح البيت مرتبطًا أحيانًا بقدرته على صناعة اللحظة.

أما الشعر المحكي الكتابي، فجمهوره غالبًا قارئ فردي، وقد يقرأ النص في هدوء، بعيدًا عن أجواء الاحتفال والمنبر.

هذا ما يفرض على شاعر هكذا نوع من الشعر، شروطًا مختلفة.

سادسًا: القافية حاضرة بقوة في الزّجل، خصوصًا في الأشكال التقليدية والمنبرية.

لكن القافية في الزجل قد تكون جزءًا من البناء الأدائي؛ فهي تساعد الجمهور على توقّع الإيقاع، وتمنح البيت نهاية واضحة، وتساعد على صناعة القفلة.

أما في الشعر المحكي الكتابي، فقد تكون القافية أكثر مرونة، وقد يستعيض الشاعر عنها بالموسيقى الداخلية، والتكرار، والتوازي، والجناس، وتجاور الأصوات.

وهذا لا يعني أن الشعر المحكي لا يحتاج إلى الموسيقى، بل على العكس.

فالشعر المحكي الناجح يحتاج إلى موسيقى، لكن هذه الموسيقى قد تكون داخلية أكثر منها خارجية.

سابعًا:هنا نصل إلى قضية مهمة جدًا.

ليس كل كلام باللهجة اللبنانية شعرًا محكيًا.

كما أن وضع القافية في نهاية الجمل لا يجعل النص شعرًا بالضرورة.

الشعر يحتاج إلى:

تكثيف، صورة، إيقاع، دهشة، ترابط، اقتصاد في اللغة، وشحنة عاطفية أو فكرية.

فقد يكون النص مكتوبًا باللهجة اللبنانية لكنه لا يتجاوز مستوى الكلام العادي.

وقد يكون نص آخر باللهجة نفسها، لكنه يمتلك طاقة شعرية عالية.

إذن المشكلة ليست في كون اللغة فصحى أو محكية، بل في كيفية تحويل اللغة إلى شعر.

ثامنًا: ليس من الدقة أن نقول أن الزجل أقل أهمية من الشعر المحكي.

فالزجل فن له قوانينه وجمالياته، والشعر المحكي الكتابي له قوانينه وجمالياته.

المقارنة الصحيحة ليست:

«أيّهما أفضل؟»

بل:

ما الذي يريده كل نوع من الشعر؟

فالزجل المنبري ينجح عندما يحقق حضوره أمام الجمهور، ويجمع بين الموسيقى والذكاء وسرعة الالتقاط وقوة القفلة.

والشعر المحكي الكتابي ينجح عندما يستطيع أن يبني عالمًا شعريًا يبقى حيًا بعد انتهاء القراءة.

قد يكون بيت زجلي رائعًا لأنه أشعل القاعة بالتصفيق، بينما قد يكون بيت محكي رائعًا لأنه جعل القارئ يصمت لحظة ويتأمل معناه.

وكلاهما إنجاز شعري، لكن في مجال مختلف.

تاسعًا: يمكن اعتبار الانتقال من التصريح إلى التلميح انتقالًا من القول المباشر إلى بناء الدلالة.

الزجل يقول:

«كذبت عليّي.»

أما الشعر المحكي فقد يقول:

«كل ما كنت تسألني شو في؟

كنت خبّي الحقيقة تحت فنجان القهوة.»

الأول يعلن المعنى.

والثاني يصنع مشهدًا يجعلنا نستنتج المعنى.

وهنا تكمن قوة التلميح: إنه لا يعطي القارئ المعنى كاملًا، بل يدعوه إلى المشاركة في اكتشافه.

عاشرًا: لكن التلميح ليس فضيلة في ذاته.

فإذا بالغ الشاعر في الغموض، تحوّل التلميح إلى إبهام.

وإذا صار النص بحاجة إلى شرح خارجي حتى يفهمه القارئ، فقد يكون الشاعر قد ابتعد عن الشعر وأصبح يكتب أحجية.

لذلك يمكن القول:

التصريح الزائد يقتل الشعر، والتلميح الزائد يدفن المعنى.

والشاعر المتمكن هو الذي يعرف أين يقول، وأين يلمّح، وأين يصمت.

حادي عشر: الفرق الأعمق بين الشفهي والمكتوب ربما يكمن في العلاقة بينهما.

فالزجل اللبناني، في جذوره وأشكاله المختلفة، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالثقافة الشفهية، حيث الذاكرة والأداء والحضور والمجالس.

أما الشعر المحكي الكتابي فيستفيد من الثقافة المكتوبة، حتى وإن استعان بمفردات الحياة اليومية.

ولذلك يمكن للشعر المحكي أن يأخذ من الزجل موسيقاه وقربه من الناس، ومن الشعر المكتوب عمقه وتأمله وكثافته.

وهنا يمكن أن يظهر شكل ثالث أكثر نضجًا: قصيدة محكية مكتوبة تمتلك روح المنبر، ولكنها لا تعتمد على المنبر لكي تكون شعرًا.

ثاني عشر: هل يستطيع الزجل أن يكون أدبًا مكتوبًا؟

بالتأكيد.

فالزجل عندما ينتقل إلى الكتاب لا يفقد قيمته بالضرورة، لكنه يفقد بعض العناصر التي كانت تساعده في المنبر: الصوت، الإيقاع الحي، وردة فعل الجمهور.

وهنا تظهر قدرة النص نفسه.

إذا كان البيت قويًا في لغته وصورته ومعناه، فإنه يستطيع أن يعيش على الورق.

أما إذا كانت قوته قائمة فقط على طريقة الإلقاء أو على الموقف المسرحي، فقد يبدو أضعف عند قراءته صامتًا.

ومن هنا نستطيع اختبار النص الزجلي بسؤال بسيط:

هل يبقى جميلًا عندما أقرأه من دون أن أسمع صوت قائله؟

إذا كانت الإجابة نعم، فهذا دليل على أن النص يمتلك حياة أدبية تتجاوز الأداء.

وفي النهاية أقول: ليس الزجل المنبري والشعر المحكي الكتابي خصمين، بل هما ابنان للغة واحدة، وإن اختلفت وظيفتهما الفنية.

الزجل المنبري أقرب إلى المشهد؛ يحتاج إلى صوت، جمهور، لحظة، وقفة وقفلة.

أما الشعر المحكي الكتابي فأقرب إلى النص؛ يستطيع أن يطلب من القارئ وقتًا وتأملًا وإعادة قراءة.

الأول يميل إلى أن يقول:

«إسمعني.»

والثاني يميل إلى أن يقول:

«إقرأني.»

الأول قد يعتمد على التصريح ليصيب المعنى بسرعة، والثاني قد يعتمد على التلميح ليترك المعنى يتسع داخل القارئ.

لكن الشعر الحقيقي، في الحالتين، لا يُقاس باللهجة وحدها، ولا بالقافية وحدها، ولا بالوزن وحده.

إنه يُقاس بقدرة الشاعر على تحويل الكلام إلى تجربة، والكلمة إلى صورة، والإيقاع إلى إحساس، والمعنى إلى أثر يبقى بعد انتهاء القصيدة.

ولعل الفارق الأجمل بينهما يمكن اختصاره بهذه المعادلة:

الزجل المنبري يربح اللحظة،

والشعر المحكي الكتابي يراهن على الذاكرة.

وعندما يستطيع النص أن يربح اللحظة ويبقى في الذاكرة، نكون أمام شعر حقيقي، مهما كانت لغته ومهما كان المنبر الذي خرج منه.

مع تحيات جان سمراني