العالمية / بين حكمة السيف عند المتنبي وجمال الكلمة عند سعيد عقل


كتب جان السمراني

قلّما يتكرر في تاريخ الشعر العربي أن يظهر شاعران تفصلهما أكثر من عشرة قرون، ثم غنجد بين تجربتيهما ذلك القدر من التقارب في الاعتداد بالشعر، والتمسك بالكلمة، والاحتفاء بالإنسان، والبحث عن المجد والجمال.
أبو الطيب المتنبي ابن القرن العاشر ميلادي، الشاعر الذي جعل من القصيدة ميدانًا للفخر والحكمة والتحدي، حتى غدت أبياته جزءًا من الذاكرة العربية. وسعيد عقل، شاعر لبنان الكبير في العصر الحديث، الذي جعل القصيدة مساحة للجمال والحب والوطن واللغة، وامتلك شخصية شعرية شديدة الخصوصية.
وليس المقصود من هذه المقارنة أن نضع شاعرًا في مرتبة شاعر آخر، أو أن نقول إن سعيد عقل هو «متنبي العصر» بمعنى المحاكاة أو البديل، فلكل منهما زمانه وثقافته ومشروعه. لكن المقارنة تكشف عن قرابة في الروح الشعرية: كلاهما أراد للشعر أن يكون أكثر من نظمٍ جميل، وأن يتحول إلى موقف من الحياة.
ومن هنا يأتي العنوان:
المتنبي: حكمة السيف.
سعيد عقل: جمال الكلمة.
أولًا: الشاعر الذي تجاوز عصره
المتنبي لم يكن شاعر مناسبة فحسب،بل كان شاعرًا يبحث عن مكانه في التاريخ.
ولذلك يقول:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعتْ كلماتي من به صممُ
هذه الأبيات لا تعبر عن غرور عابر، بل عن وعي استثنائي بمكانة الشعر. فهو يرى أن الكلمة الشعرية قادرة على الوصول إلى من لا يرى ومن لا يسمع.
ثم يقول:
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني
والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ
هنا يختصر المتنبي عالمه كله: الفروسية، السفر، الحرب، المعرفة، والكتابة.
أما سعيد عقل فقد كان أيضًا شديد الوعي بمكانة الشاعر وبقدرة الكلمة على صناعة الجمال. لم يكن يريد أن يكون شاعرًا عابرًا في زمنه، بل شاعرًا يترك أثرًا في اللغة والوجدان فيقول:
أمّي يا ملاكي يا حبي الباقي إلى الأبد.
وهنا تلتقي الشخصيتان:
الشاعر عندهما ليس شاهدًا على عصره فقط، بل صانعًا لصورته في الذاكرة.
ثانيًا: الحكمة عند المتنبي
إذا ذُكرت الحكمة في الشعر العربي، فلا بد أن يحضر المتنبي.
لقد استطاع أن يحول تجاربه الشخصية والسياسية والإنسانية أحكامًا تتجاوز المناسبة التي قيلت فيها.
يقول:
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ
وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
فالعظمة عنده لا تُعطى مجانًا؛ إنها بقدر عظمة النفس.
ويقول:
إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ
فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ
وهذه ليست حكمة في الطموح فحسب، بل تكاد تكون فلسفة المتنبي كلها: لا يليق بالنفس الكبيرة أن تطلب غاية صغيرة.
ويقول في تقلّب الحياة:
ما كلُّ ما يتمنى المرءُ يدركهُ
تجري الرّياحُ بما لا تشتهي السفنُ
لقد خرج هذا البيت من القصيدة ليصبح مثلًا على ألسنة الناس، وهذه إحدى علامات الشاعر الكبير: أن تتحول عبارته من شعر إلى حكمة شعبية.
ثالثًا: الحكمة عند سعيد عقل
أما سعيد عقل، فإن حكمته تختلف في طبيعتها عن حكمة المتنبي.
المتنبي غالبًا ما يضع الحكمة في صورة حكم مباشر وقاطع، بينما يميل سعيد عقل إلى تمرير الفكرة عبر الجمال والصورة والموسيقى.
فإذا كانت حكمة المتنبي أشبه بالسيف الذي يقطع ويقرر، فإن حكمة سعيد عقل أشبه بالضوء الذي يكشف الأشياء دون أن يرفع صوته.
وهذا مرتبط بطبيعة مشروع سعيد عقل الشعري، فقد كانت لديه رؤية خاصة للجمال، للبنان، للغة، وللإنسان.
ومن أجمل ما يمكن ملاحظته في تجربته أنه لم يفصل بين الجمال والحقيقة، فالجمال عنده ليس ترفًا، وإنما طريق إلى معرفة الإنسان والعالم.
ولهذا فإن المقارنة بين الاثنين لا ينبغي أن تبحث فقط عن «أبيات حكمة» عند سعيد عقل تقابل أبيات المتنبي، بل أن تبحث عن الروح الحكيمة التي تسكن شعره، فيقول:
هكذا السّيفُ ألا انغمدت
ضربةٌ… والسّيف ما انغمدا
واعدي الشّمسَ لِناكِرةٌ
إن يَدٌ تَتْعَبْ فنادي يدا
رابعًا: الكبرياء… من المتنبي إلى سعيد عقل
من أكثر الصفات التي تجمع الشاعرين الاعتداد بالذات.
المتنبي جعل الفخر جزءًا من هويته الشعرية.
يقول:
لا بقومي شَرُفتُ بل شَرُفوا بي
وبنفسي فخرتُ لا بجدودي
وهذا بيت شديد الدلالة؛ فالشاعر لا يستمد قيمته من نسبه، بل يريد أن يكون هو مصدر المجد.
ويقول:
لا يسلمُ الشرفُ الرفيعُ من الأذى
حتى يُراقَ على جوانبِهِ الدمُ
إنها فلسفة كاملة في المجد: المكانة العالية لها ثمن.
وسعيد عقل أيضًا كان صاحب شخصية شعرية قوية، وكان يرى أن للشاعر دورًا يتجاوز الكتابة إلى صياغة الذوق والهوية.
لكن الفرق أن كبرياء المتنبي بطولي صدامي، بينما كبرياء سعيد عقل جمالي حضاري فيقول:
بُلْبُلٌ أنتَ… حُطّْ
وَلْيُجنَّ الشّجَرْ
كُنْ ندًى،كُنْ شَرَرْ،
ثُمَّ فيما تَخُطُّ
خُطَّ هذا القمَرْ…
المتنبي يقول بصورة ضمنية:
أنا أواجه العالم.
وسعيد عقل يقول:
أنا أريد أن أجعل العالم أجمل.
خامسًا: السيف والقلم
لعل أجمل مفتاح للمقارنة هو قول المتنبي:
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني
والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ
إنه شاعر يجمع بين عالمين:
السيف والقلم.
والسيف هنا ليس مجرد سلاح، بل رمز للقوة والفعل والمواجهة.
أما عند سعيد عقل فقد حلّت الكلمة محل السيف في كثير من الأحيان.
فهو شاعر يؤمن بقوة اللغة، وبقدرتها على بناء صورة الوطن والإنسان.
ومن هنا يمكن أن نقول:
المتنبي قاتل بالسيف وخلّد نفسه بالقلم، أما سعيد عقل فقاتل بالقلم وحده، وجعل الجمال أحد أسلحته.
وهذا لا يعني أن سعيد عقل كان شاعرًا بلا موقف، بل إن موقفه كان غالبًا لغويًا وثقافيًا وحضاريًا فيقول:
لا على السّيفِ أنْبَتَتْ، لكن على
قَوْلَةٌ أنْ ليسَ في صورَ كذوبُ
كِلْمةٌ تعطى تفي، صِرنا بِها
شُركاءَ الأرضِ نجبي وَنجوبُ
سادسًا: الوطن بين الشاعرين
الوطن عند المتنبي مرتبط بالاغتراب والرحيل والانتماء.
ومن أشهر أبياته:
بمَ التعلّلُ لا أهلٌ ولا وطنُ
ولا نديمٌ ولا كأسٌ ولا سكنُ
إنه شاعر يشعر بقسوة فقد المكان والأهل.
الوطن هنا ليس خريطة؛ إنه أهل وذاكرة وسكن.
أما سعيد عقل فقد جعل لبنان واحدًا من أكبر موضوعاته الشعرية.
لبنان عنده ليس مجرد مكان ولادة، وإنما فكرة حضارية وجمالية.
وهنا يظهر الاختلاف:
المتنبي يسأل عن الوطن في لحظة الغياب.
أما سعيد عقل فيكتب الوطن في لحظة الحضور.
المتنبي يحمل الوطن في غربته، وسعيد عقل يحمل الوطن في قصيدته.
سابعًا: لبنان في شعر سعيد عقل
إذا كان المتنبي قد جعل من ذاته مركزًا لعدد كبير من قصائده، فإن سعيد عقل جعل من لبنان واحدًا من مراكز تجربته.
لقد كتب لبنان كما يكتب العاشق محبوبته.
ومن هنا ارتبط اسمه بقصائد وأناشيد وأغانٍ كثيرة جعلت لبنان حاضرًا في الوجدان العربي.
واللافت أن سعيد عقل لم يقدّم لبنان كبلد صغير على شاطئ المتوسط، بل حاول أن يمنحه بُعدًا حضاريًا وتاريخيًا.
وهذا يشبه المتنبي في نقطة أساسية:
كلاهما يرفض أن تكون الأشياء الكبيرة صغيرة في اللغة. يقول العقل:
لي صخرةٌ عُلِّقت بالنّجمِ أسكُنُها
طارت بها الكُتْبُ قالت تِلكَ لبنانُ
ويقول أيضًا:
إن لم يكن لبنان أعلى جبل في العالم فهو، بدون أدنى شك، أعلى قمّة في التاريخ
ثامنًا: اللغة… جزالة المتنبي وموسيقى سعيد عقل
المتنبي من أكثر الشعراء قدرة على تطويع العربية الفصحى.
لغته قوية، مكثفة، متينة، وفيها حركة وصراع.
انظر إلى قوله:
الرأيُ قبل شجاعةِ الشجعانِ
هو أولٌ وهي المحلُّ الثاني
فهو يبدأ بالفكرة ثم يجعل الشجاعة تأتي بعدها.
أما سعيد عقل فقد امتلك حسًّا موسيقيًّا عاليًا، وكانت الكلمة عنده تُختار أحيانًا بسبب جرسها قبل معناها المباشر.
وهذا سر من أسرار نجاح شعره الغنائي.
إن المتنبي يجعل اللغة تبني المعنى، وسعيد عقل يجعل اللغة تبني المعنى والموسيقى والجمال معًا. يقول سعيد:
رُدّني إلى بلادي
مع نسائمٍ غَوادي
مع شُعاعاتٍ تَغاوَت
عندَ شاطِئٍ وَوادي
تاسعًا: الحب
المتنبي ليس شاعر غزل بالمعنى الذي اشتهر به شعراء الغزل، وإن كان قد كتب الغزل وأبدع فيه.
أما سعيد عقل، فالحب والجمال من المحاور الأساسية في تجربته.
وهنا تتغير صورة المرأة بين الاثنين.
عند المتنبي نجد المرأة في كثير من الأحيان ضمن البناء التقليدي للقصيدة، بينما عند سعيد عقل تصبح المرأة والجمال جزءًا من رؤية جمالية كاملة للحياة.
وهذا يفسر حضور شعر سعيد عقل في الأغنية العربية، إذ وجدت الموسيقى في كلماته أرضًا خصبة. يقول المتنبي:
لا السّيفُ يفعلُ بي ما أنتِ فاعلةٌ
وَلا لقاءُ عَدوِّ مثلَ لُقياكِ
لَو باتَ سَهْمٌ من الأعداءِ في كَبِدي
ما نالَ مِنّي ما نالَتْهُ عَيْناكِ
أما سعيد عقل فيقول:
مُفردٌ لحظُكِ إن سَرَّحتِهِ
طارَ بِالأرضِ جَناحٌ مِنْ زَهَرْ
وَإذا هَدْبُكِ جاراهُ المدى
راحَ كَوْنٌ تِلْوَ كَونٍ يُبْتَكَرْ
عاشرًا: لماذا بقي المتنبي؟
لأن شعره تجاوز المناسبة.
قد تكون القصيدة قيلت في مدح سيف الدولة أو في وصف معركة، لكن البيت الحكمي يبقى صالحًا بعد زوال المناسبة.
ولهذا يقول:
وما الدهرُ إلا من رواةِ قصائدي
إذا قلتُ شعرًا أصبح الدهرُ منشدا
إنه يعي أن الشعر يستطيع أن يهزم الزمن.
وهذه النقطة بالذات تجعل المقارنة مع سعيد عقل مشروعة.
فسعيد عقل أيضًا لم يكتب للّحظة وحدها، لقد أراد للكلمة أن تبقى.
الحادي عشر: هل كان سعيد عقل متنبي العصر؟
السؤال مغرٍ، لكنه يحتاج إلى دقة.
لا يمكن القول إن سعيد عقل «هو المتنبي» في العصر الحديث، لأن لكل منهما مشروعه.
المتنبي ابن عصره، وسعيد عقل ابن عصر مختلف تمامًا.
لكن يمكن القول:
إن بينهما تشابهًا في طبيعة الشخصية الشعرية.
فكلاهما:
شديد الاعتداد بالشعر.
شديد الاعتزاز باللغة.
صاحب رؤية خاصة إلى العالم.
لا يقبل أن يكون الشعر مجرد تسلية.
جعل من ذاته ومن تجربته قضيّة شعريّة.
جمع بين الجمال والفكرة.
بقي حاضرًا بعد رحيل عصره.
ولهذا قد تكون العبارة الأدق:
المتنبي أحد أعظم من مثّل كبرياء القصيدة العربية، وسعيد عقل أحد أبرز من مثّل جمال القصيدة اللبنانية والعربية الحديثة.
الثاني عشر: حكمة السيف وجمال الكلمة
هنا نصل إلى جوهر المقارنة.
المتنبي عاش في عالم كانت فيه البطولة تُقاس بالسيف، ولذلك جاءت حكمته مشبعة بالقوة والإرادة.
يقول:
ومن يَهُنْ يسهُلِ الهوانُ عليهِ
ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ
ويقول أيضا:
إذا أنتَ أكرمتَ الكريمَ ملكتَهُ
وإن أنتَ أكرمتَ اللئيمَ تمرّدا
حكم قاطعة، كأنها أحكام قاضٍ.
أما سعيد عقل فقد نقل المعركة إلى ميدان آخر:
ميدان الكلمة والجمال والهوية.
لاعِبِ الرّيشةَ واهْوَ
وَأضْفُرِ العمرَ وُرودْ
وَاهْوِني مَنْ ليسَ يَهْوى
لَم يَزُرْ هذا الوُجود.
ومن هنا يمكن أن نقرأ التجربتين كمرحلتين من مراحل الشعر العربي:
المتنبي: قوة الإنسان في مواجهة العالم.
سعيد عقل: قدرة الجمال على مواجهة الزمن.
وأخيرا أقول:
ليس الشعراء الكبار أبناء عصرهم فقط، إنهم أبناء العصور التي تقرأهم.
والمتنبي ما زال حيًا لأن الإنسان العربي ما زال يجد في شعره نفسه: طموحه، كبرياءه، انكساره، غضبه، حلمه، وحكمته.
وسعيد عقل بقي حاضرًا لأن الإنسان العربي واللبناني يجد في شعره شيئًا آخر: الجمال، والحب، والحنين، واللغة، ولبنان، والصورة الموسيقية.
وإذا كان المتنبي قد قال:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعتْ كلماتي من به صممُ
فإن الزمن نفسه أثبت أن كلماته لم تصمت.
أما سعيد عقل، فقد آمن بأن الكلمة الجميلة تستطيع أن تصنع وطنًا في الذاكرة، وأن الشعر لا يعيش بالقوة وحدها، بل يعيش أيضًا بالجمال.
وهكذا يمكن أن نختم المقارنة بعبارة تصلح عنوانًا أو خلاصة لهذه الدراسة:
كان المتنبي شاعرًا جعل الحكمة سيفًا، وكان سعيد عقل شاعرًا جعل الكلمة جمالًا، وبين السيف والجمال ظل الشعر العربي يبحث عن الإنسان الذي يستحق أن يُقال فيه الشعر.
فالمتنبي انتصر على الزمن بقوة البيت، وسعيد عقل انتصر عليه بجمال الكلمة. وكلاهما، في نهاية المطاف، كانا يؤمنان بأن الشاعر الحقيقي لا يكتب القصيدة فقط، بل يترك وراءه زمنًا آخر يسكنه الناس.
