العالمية / ثورة الذكاء الاصطناعي في عالم الأرقام: هل انتهى عصر المحاسب التقليدي؟ – ماري شاهين

يشهد قطاع المال والمحاسبة والتدقيق عالمياً ومحلياً زلزالاً تكنولوجياً مع اجتياح تقنيات الذكاء الاصطناعي لمكاتب العمل. هذا التحول المتسارع وضع المهنيين أمام تساؤلات وجودية: هل ستسلب الخوارزميات وظائفهم؟ وما هي الحدود الفاصلة بين كفاءة الآلة والمسؤولية القانونية للبشر؟

في لبنان، تأخذ مبادرة AIKIT LB على عاتقها تفكيك هذه الهواجس، متخذةً من تمكين المحاسبين والمدققين هدفاً أساسياً لتوظيف الذكاء الاصطناعي بمسؤولية وأمان. وفي حوار معمق ومكاشفة صريحة، تضعنا السيدة سينتيا مرهج، قائدة هذه المبادرة، أمام مقاربة واقعية تعيد رسم ملامح المهنة، مؤكدة أن التكنولوجيا جاءت لتكون “شريكاً” لا “بديلاً”.

تبديد الأوهام: بين التهويل والتقليل

تشير مرهج إلى وجود فجوة في فهم القدرات الحقيقية للذكاء الاصطناعي في القطاع المالي، حيث ينقسم المشهد بين مَن يعتقد أن الآلة قادرة على فعل كل شيء، وبين مَن يقلل من قيمتها تماماً.

“الحقيقة تقع في الوسط. الذكاء الاصطناعي يوفر وقتاً هائلاً في المهام الروتينية، لكنه يقف عاجزاً أمام الحكم المهني. في AIKIT LB، نلخص هذه الفلسفة بقاعدة ذهبية: الذكاء الاصطناعي يُسوّد ويُنبّه، والإنسان يقرّر.”

خريطة تقاسم الأدوار: ماذا للآلة وماذا للبشر؟

لتبسيط المشهد، تضع مرهج حدوداً واضحة تفصل بين المهام القابلة للأتمتة وتلك التي تُعدّ خطوطاً حمراء مهنياً وقانونياً.

فمن جهة، يمكن تفويض الآلة بإنجاز المهام الاستهلاكية للوقت، مثل إعداد المسودات الأولى لمذكرات التخطيط ورسائل الإدارة، وتحليل مجتمعات ضخمة من البيانات لاكتشاف الشذوذ، إضافة إلى تلخيص المستندات الطويلة بسرعة فائقة، وشرح التسويات، ومطابقة الأرقام بين الدفاتر والتصاريح الضريبية.

في المقابل، تؤكد مرهج أن هناك مهاماً سيادية تبقى محصورة بالمدقق والمحاسب البشري ولن تُمس. إذ لا يُسمح للذكاء الاصطناعي، مهما بلغت دقته، بإصدار الرأي المهني أو التوقيع على التقارير. كما يقع على عاتق الإنسان وحده ممارسة الشك المهني، وتقييم “نية” الإدارة، وتحديد الأهمية النسبية، واتخاذ القرارات الجوهرية، لتبقى المسؤولية القانونية والمهنية النهائية في عهدة البشر دون سواهم.

الذكاء الاصطناعي في دورة حياة التدقيق والتخصصات المالية

لا يقتصر أثر هذه التقنيات على مرحلة دون غيرها، بل يمتد ليشمل دورة التدقيق بأكملها ومختلف التخصصات المالية:

المدقق الخارجي: يستفيد من الذكاء الاصطناعي في مرحلة “التخطيط” لاقتراح المخاطر المحتملة، وفي “العمل الميداني” لتحليل البيانات ومطابقة المستندات، وصولاً إلى “إعداد التقرير” عبر مراجعة اتساق المعلومات، دون السماح للآلة بالتدخل في الرأي النهائي.

الامتثال الضريبي (لبنان): يُعدّ مسودات التصاريح ويكشف الفروقات المحتملة، لكن التوقيع والرجوع للنصوص القانونية النافذة وتحديثاتها يبقى مسؤولية بشرية بحتة.

المحاسب: يوظف التقنية لاكتشاف القيود غير الاعتيادية وتسهيل مهام الإقفال الشهري.

المحلل المالي: يحصل على مسودات لتقارير الأداء والانحرافات، ليتفرغ هو لصياغة “القصة المالية” وتفسير الأرقام ببعدها الاستراتيجي.

المدقق الداخلي ومدقق النظم (IT): يُجري مسحاً إحصائياً شاملاً ويوثق اختبارات الضوابط، تاركاً تقييم فعالية تلك الضوابط للمدقق البشري.

حقل ألغام: هلوسة الأرقام وسرية البيانات

رغم الفوائد الجمة، تدق مرهج ناقوس الخطر حول مجموعة من التحديات التي قد تحول التكنولوجيا من نعمة إلى نقمة، وأبرزها:

الهلوسة الرقمية: إنتاج الآلة لمعلومات أو أرقام أو نصوص قانونية تبدو مقنعة لكنها خاطئة تماماً.

اختراق السرية: إدخال بيانات العملاء الحساسة إلى منصات غير آمنة دون فهم دقيق لشروط الاستخدام وكيفية التعامل مع تلك البيانات.

تخدير العقل النقدي: الاعتماد المفرط على الأدوات الذكية قد يدفع المهنيين للتوقف عن التفكير والتحليل، وهو ما تعتبره مرهج “أمراً بالغ الخطورة”، ففي النهاية، القضاء والجهات الرقابية سيحاسبون الشخص الموقّع، وليس الخوارزمية.

الانتقال من التنظير إلى التطبيق: نهج “AIKIT LB”

لمواجهة هذه التحديات، تتبنى “AIKIT LB” أسلوباً يبتعد عن التنظير. وتشرح مرهج أن التدريب لديهم يعتمد كلياً على التطبيق العملي، سواء حضورياً أو عن بُعد، باستخدام أدوات متقدمة مثل Claude AI.

وتوضح: “لدينا برنامج مكثف للمدققين يمتد لستة أسابيع، يعمل فيه المشاركون على مستنداتهم الحقيقية، ويتوج ببناء أداة مخصصة وعملية لكل مشارك يتم اختبارها على بيانات لم يسبق لها التعامل معها لضمان الفعالية”.

وتنصح مرهج الراغبين في دخول هذا العالم بالبدء تدريجياً؛ عبر اختيار مهمة واحدة روتينية لمدة أسبوعين، ومراجعة كافة النتائج، ثم قياس العائد الفعلي (الوقت الموفر ونسبة الخطأ)، ليكون تبني التكنولوجيا مبنياً على أرقام فعلية لا انطباعات عابرة.

الكلمة الفصل: المستقبل لمن يتكيف

في ختام هذا اللقاء، تبدد سينتيا مرهج الهاجس الأكبر بحسم قاطع: الذكاء الاصطناعي لن يحل محل المحاسب أو المدقق إطلاقاً.

ما سيتلاشى فعلياً هو كومة الأعمال الروتينية المتكررة والمستهلكة للوقت. أما الحكم المستقل، والنزاهة، والشك المهني، والمسؤولية القانونية، فستبقى حصناً منيعاً للعقل البشري. وتختم برسالة واضحة لكل مهني: “من يفهم هذه المعادلة مبكراً، سيكسب الوقت، ويرفع جودة عمله، ويواكب مستقبل المهنة بثقة عالية”.