“جماعة التماسيح” لكارينا أبو نعيم: حين يتحول المجتمع إلى مستنقع من الأقنعة
بقلم: سمرقرة / العالمية

في وقتٍ باتت فيه العلاقات الإنسانية تترنح تحت وطأة المادية المفرطة، يأتي كتاب “جماعة التماسيح” للكاتبة كارينا أبو نعيم كصدمة إيجابية في المشهد الأدبي المعاصر. هذا العمل هو “مشرط جراح” يغوص بجرأة في عمق الأورام الاجتماعية التي أصابت جسد علاقاتنا، محاولاً استئصال الزيف الذي بات يغلف تعاملاتنا اليومية.
فلسفة المسخ الإنساني
لا تتحدث أبو نعيم في كتابها عن كائنات برية، بل تتبنى رمزية “التماسيح” لتشريح نمط من البشر يعيش بيننا بدم بارد. هم أولئك الذين يتقنون فن التربص خلف الابتسامات الزائفة و يتحينون الفرص للانقضاض على عواطف الآخرين ومصالحهم. إنها تصف حالة من “المسخ” أصابت الروح البشرية، حيث يتحول الإنسان من كائن اجتماعي فردي إلى صياد متربص يرتدي ثياب الحملان.
تشريح العلاقات في زمن “البلاستيك”
يطرح الكتاب تساؤلات وجودية ملحة حول ماهية الصداقة في العصر الحديث. فمن خلال قراءة متأنية، نجد أنفسنا أمام تحليل لـ “عصر العلاقات البلاستيكية”، حيث تحول الصديق في كثير من الأحيان إلى صياد، وباتت المنفعة هي البوصلة الوحيدة التي تحرك الجموع.
وترسم الكاتبة ببراعة “سيكولوجية الزحف” موضحةً كيف يتسلل هؤلاء إلى حيواتنا بهدوء مريب، يمتصون طاقتنا وشغفنا، ثم ينسحبون ببرود تام بمجرد أن يجف منبع الفائدة. والتحذير الأهم الذي تطلقه أبو نعيم هو “الاستيقاظ المتأخر”؛ فالخطر الحقيقي لا يكمن في وجود هؤلاء “التماسيح” فحسب، بل في اعتيادنا على وجودهم وقبولنا بدور الضحية الصامتة.
أكثر من كتاب.. إنه دليل نجاة
إن “جماعة التماسيح” يتجاوز كونه إصداراً للقراءة السريعة ليصبح “دليل نجاة” نفسياً واجتماعياً. تكمن ضرورة قراءته في ثلاث ركائز أساسية:
1. كشف الأقنعة: يمنح القارئ “بصيرة” نقدية تفرق بين من يستحق الثقة ومن يجب أن يظل على ضفاف الحياة.
2. حماية الذات: يرسخ لمفهوم أن الطيبة بلا وعي هي “انتحار اجتماعي”، وأن القوة تكمن في الحفاظ على الإنسانية مع التسلح بالذكاء.
3. الاستعادة: يحفزنا للعودة إلى الفطرة السليمة والبحث عن “البشر الحقيقيين” في زمن يسوده البرود العالمي.
صرخة لاستعادة الإنسانية
ختاماً، إن دعوة كارينا أبو نعيم للقراءة هي في جوهرها دعوة للمراجعة الذاتية. نحن لا نقرأ هذا الكتاب لنحذر من الآخرين فحسب، بل لنراقب أنفسنا أيضاً؛ لئلا نتحول تحت ضغوط الواقع ومرارة التجارب إلى “تماسيح” جديدة دون أن نشعر. إنه صرخة مدوية لاستعادة إنسانيتنا المفقودة في عالم بات يقدس المظاهر على حساب الجوهر.
