العالمية / حوار صحفي مع الكاتب والإعلامي الباحث احمد ادم اسماعيل، حاوره مراسل العالمية في السودان: الإعلامي نور قطر

س/ أستاذ أحمد، لكل كاتب “شرارة” أولى، ما الذي دفعك لاختيار القلم وسيلة للتعبير في ظل هذا العالم المتسارع؟
ج/ اخترت القلم لأنه الوعاء الذي يحفظ جوهر الرسائل من الضياع. لقد وجدت نفسي قادراً على الصياغة السريعة والعميقة في آن واحد، والقلم هو الأداة الوحيدة التي تمنح الكلمات خلوداً لا يمحوه الزمن. الأفكار ترحل برحيل أصحابها، لكن ما يودع في بطون الكتب يظل حياً للأجيال القادمة. كتبت في زمن لم يكن للقلم فيه حضور طاغٍ لأنني أؤمن أن توثيق الحقائق على الورق هو الضمان الوحيد لبقاء الأثر.
س/ بين الصحافة والأدب، كيف توازن في كتاباتك بين نقل الواقع بصدق وبين لمسة الخيال التي تفرضها الرواية أو القصة؟
ج/ الصحافة بالنسبة لي هي مهنة الدقة والحياد ونقل الحقائق كما هي، بينما الأدب هو مساحة الحرية والتحليق. التوازن بينهما لم يكن سهلاً، لكنني ابتكرت حلاً يكمن في تعدد الشخصيات الإبداعية. فعندما أجلس للكتابة الصحفية أتحول كلياً إلى مهني صارم لا يظلم جهة ولا يغفل حقيقة، وعندما أنتقل للأدب أتحرر من القيود. لقد وجدت في نفسي قدرة على الجمع بينهما دون تردد، لأن الصدق هو الخيط الرابط بين الواقع والخيال.
س/ كتاب “الشهيدة هنادي النور يحمل اسماً ذا دلالة اجتماعية ووجدانية قوية؛ هل الشخصية تمثل رمزاً لحالة معينة أم أنها مستوحاة من واقع عشتموه؟
ج/ كتاب الشهيدة هنادي النور ليس مجرد حبر على ورق، بل هو تجسيد لقصة حقيقية هزت وجدان العالم وشهد بصدقها الجميع. هنادي لم تكن مجرد شخصية في كتاب، بل هي رمز للعطاء والتضحية التي تستحق أن تُخلد. لقد كتبتُ عنها لأنها استحققت أن تُروى قصتها بأمانة، لتعرف الأجيال أن بيننا من قدم روحه في سبيل القيم والمبادئ.
س/ ما هي القضية المركزية التي حاولت معالجتها في هذا العمل، وإلى أي مدى تعتقد أن “النور” قد وصل فعلاً للقارئ؟
ج/ القضية المركزية هي “الوعي”؛ فهو الأداة الوحيدة لتصحيح المسارات السياسية وضمان استقرار البلاد ورعاية الكادحين. سعيت من خلال هذا العمل لتغيير المجتمع عبر المعرفة. وقد لمست أثر ذلك فعلياً من خلال التدريب العملي والمحاضرات المجانية التي أقدمها للشباب، حيث رأيت كيف بدأ القارئ يتفاعل مع هذه الأفكار ويحولها إلى واقع ملموس، وهذا هو القبول الحقيقي الذي كنت أرجوه.
س/ تميزت لغة الكتاب بخصوصية معينة؛ كيف استطعت تطويع المفردة لتخدم بيئة النص؟
ج/ لغتي هي نتاج القراءة العميقة والمتواصلة التي شكلت وعيًا قبل أن أشرع في الكتابة. أنا أكتب بعفوية وتحليل مباشر دون الاعتماد على أدوات التكنولوجيا الحديثة أو القوالب الجاهزة. لقد بدأت في ظروف صعبة واجتهدت في صقل مفرداتي بنفسي، وهذا ما جعل النص يحمل بصمتي الخاصة التي تشبه البيئة التي خرج منها والنضال الذي استند إليه.
س/ بالانتقال إلى كتاب “المشتركة فوق”، العنوان يثير الفضول؛ ما هي الفلسفة الكامنة وراء هذا الاختيار؟
ج/ العنوان مستوحى من نبض الشارع وعمق النضال الوطني. “المشتركة فوق” هي استراتيجية التحرر والوطنية، وهي صدى لصوت الشعب الذي هتف عالياً في وجه المحن. اخترت هذا العنوان لأنه يمثل القوة التي أصبحت طوق نجاة للمواطن السوداني وسط الحرائق المحيطة. الكتاب يوثق نضالات القوة المشتركة من أجل الحق والعدالة والدفاع عن النفس في ظل الحرب الحالية.
س/ هل يمكننا اعتبار “المشتركة فوق” امتداداً لمشروعك في “هنادي النور”؟
ج/ نعم، هو امتداد طبيعي لمشروع فكري واحد يسعى لتوثيق كرامة الإنسان السوداني. كتاب هنادي النور كان جزءاً من هذا المشوار، والمشتركة فوق يمثل الجزء الأول من رؤية أوسع، وهناك أعمال قادمة قريباً بإذن الله، لأن هذه التضحيات والبطولات تستحق أن تُسجل في مجلدات لا تنتهي.
س/ إلى أي مدى يلعب المكان دور “البطل” في كتاباتك؟
ج/ في كتاباتي يظل الإنسان هو البطل الأول والأخير. المكان، مهما بلغت قيمته، لا معنى له دون الإنسان الذي يبنيه ويمنحه الهوية. فلسفتي تقوم على أن الحفاظ على المكان يبدأ من الحفاظ على كرامة وحياة الإنسان الذي يعيش فيه.
س/ كيف ترى دور الأدب اليوم في معالجة القضايا الإنسانية والاجتماعية الراهنة؟
ج/ الأدب هو المرآة والدرع في آن واحد. دوره محوري جداً في معالجة قضايانا الإنسانية، لكن هذا الدور يتطلب مجهوداً جباراً وصموداً تاماً من الكاتب. القضايا الاجتماعية هي الأساس الذي يعيش فيه الأدب، وبدون الانغماس في هموم الناس يفقد الأدب روحه وقيمته.
س/ ما هي نصيحتك للشباب الذين يبحثون عن مسار في “بحر الكلمات”؟
ج/ نصيحتي هي التأني فالإبداع لا يُستعجل. ابتعدوا عن الأدوات الجاهزة والذكاء الاصطناعي في كتابة الروايات، لأنها تجعل الكاتب داخل صندوق فارغ وسيأتي يوم يندم فيه على ضياع أصالته. ركزوا على القراءة المكثفة، وحددوا أهدافكم بوضوح، واكتبوا ما تؤمنون به حقاً، لا ما تمليه عليكم الآلات.
س/ الكتابة بالنسبة لك هي: (رئة، مواجهة، أم هروب؟)
ج/ الكتابة بالنسبة لي هي الوجود بكل تفاصيله. هي الرئة التي أتنفس بها في ضيق الأزمات، والمواجهة الصريحة مع الذات والواقع لتصحيح المسارات، وهي الملاذ الذي أزرع فيه بذور الأمل للكادحين. هي الالتزام الأخلاقي تجاه الحق والحقيقة.
س/ أكثر كاتب أثّر في تشكيل وعي أحمد آدم إسماعيل؟
ج/ أنا لا أبحث عن التأثر بأسلوب كاتب معين بقدر ما أبحث عن المعالج والمنصف. وعيي تشكل من خلال البحث عن الحقوق، والبحث عن الحقائق الضائعة، وتصحيح المفاهيم. ملهمي الأول هو الواقع النضالي والقضايا التي تنتظر من يكتب عنها بصدق.
س/ رسالة توجهها إلى أبطال “المشتركة فوق”؟
ج/ أقول لرفاق الدرب في القوة المشتركة: استمروا في طريقكم، فالقضية عادلة ودماء الشهداء وحقوق الكادحين هي الأمانة التي تحملونها. استمروا في نضالكم من أجل الحق، والله ينصركم ويسدد خطاكم في حماية الأرض والإنسان.
