العالمية / خدمة العلم في وطن تَعدُّد الأعلام – فوزي عساكر

في زمان الأسياد والعبيد، كان السيّد يشتري العبدَ ويؤجّره، ويبيعه، ويفتدي به، ويُخاطر بِحياة العبد لينجو هو بِحياته.

ومع تطوّر البشرية، أصبح السيد إمبراطورًا، والعبيد شعبًا خاضعًا لرغباته، هو يأمر بالحرب وبالسلام، هو يأمر بالموت وبالحياة، هو يأمر بالاستعباد وبالحرية…

ومع عهود احتلال الدول المسالمة، استبدّ المحتلّ فأمرَ الناس بالسخرة، واستعبدهم ودفنَ الآلاف منهم في الحقل والميدان، ومشى على ترابِهم، وكأنّهم مُجرّد حشرات، تُداس بأحذية الجنود، المستمدّة سلطانَها من الطّغاة.

ومع عهود إعداد الجيوش وبناء الأوطان، استدعت السلطات شعبًا آمنًا، لينخرط في صفوف العسكر ويقاتل، لأنّ أداة الحرب كانت بأيادي البشر، وبالسلاح التقليدي.

أمّا اليوم، وبعد أن صارت الأنامل الناعمة تُحرّك الأجهزة الإلكترونية، وتراقب من خلال الشاشة الصغيرة صاروخًا عابرًا للقارات، فما قيمة استدعاء الشباب إلى ما يُسمّى بِخدمة العلم؟! ألا يكفي أنّ الدولة عندنا حرمت الشباب من الحلم، وهجّرت العديد منهم إلى أصقاع الأرض فتشتَّتوا، ويعود اليوم أزيز أصوات النافذين يصدح في القلوب قبل الآذان، لاستدعاء الشباب إلى ما يسمّى خدمة العلم؟!

ماذا تنفع خدمة العلم، في وطنٍ ليس فيه دولة، إنّما مَجموعة متسلّطين، بقرارهم يَموت مَن يَموت، ويتقبّلون التعازي، ويلقون الخطابات: «نَحن مستمرّون ولن نتراجع.» وبوجه مَن لن يتراجعوا؟! يقدّمون خيرة الشباب للموت بقرار الزعيم، في وجه دولةٍ تُحارب بأحدث تكنولوجيا تستطيع احتلال العالم بكبسة زر! فهل سيحارب الشاب ببندقيته دولةً تقاتلُ بالذكاء الاصطناعي؟! وماذا يَحصل عندما يَموت مَجّانًا؟! سيستنكر الزعيم ويعزّي ويتابع استنْزاف الشباب!

هل انّ خدمة العلم هي فكرة قديـمة نُجدّدها كأداة تيئيس وتَهجير للشباب؟ هل هي أداة مهمتها أن يكره الشباب دولتهم؟!

مَن قال لكم انّ بطون الأمّهات مصانع لإنْجاب الشهداء؟! والمؤسف أنّ شهداءنا يَموتون من دون قضية، إنّما فقط من أجل عِناد الزعيم المتسلّط الذي يبني سلطته على جثث الأبرياء.

إنّ خدمة العلم، هي «سفر برلك» جديد لشباب الوطن، وهي استدعاء للسخرة بعد أكثر من مئة عام على رحيل مَن ابتدع فكرة السخرة وسفر برلك. ففكرة خدمة العلم لا تنمّي الروح الوطنية عند الشباب، فيما على وسائل الإعلام يشاهدون نَماذج من الحكّام السفّاحين الذين يبشّرون كلَّ يومٍ بالحقد والموت والحروب.

إذا أردتُم خلقَ روح وطنية عند الشباب، درِّبوهم يومًا واحدًا في الأسبوع مع فريق الصليب الأحمر والهلال الأحمر والدفاع المدني، ليكتسبوا خبرةً في عمليات الإنقاذ. أمّا، ان تدرّبوهم على السلاح التقليدي في وجه الذكاء الاصطناعي، فأنتم تقتلون الذكاء البشري والحلم بشباب واعدٍ، ليس مستعدّاً لخدمة الزعيم المتمترس وراء عَلَمِه، في وطنٍ كثرت فيه الأعلام والأفلام، وقُتِلت فيه الأحلام! واذهبوا وحسّنوا أوضاع العسكر في الخدمة، ليعيش بكرامة ولا يستجدي الغذاء والدواء وخيمةً في العراء!

فوزي عساكر