العالمية / خمسة آلاف عام من الحروب.. هل السلام مجرد هدنة مؤقتة؟
سمرقرة / العالمية

منذ أن رفع الإنسان الأول حجره دفاعاً عن بقائه، وحتى اللحظة التي صاغ فيها المعاصرون أكثر أسلحتهم فتكاً، لم تتبدّل طبيعة الصراع، بل تبدّلت أدواته وأقنعته فقط. فالأرض، في جوهر تاريخها الطويل، كانت ولا تزال ساحة تنازع مفتوح؛ يتقاتل فوقها البشر على الطعام حيناً، وعلى الكرامة حيناً آخر، وعلى الدين والإيمان والقومية والمجد في أحيان لا تُحصى. وكأنّ البشرية، رغم كل ما بلغته من علوم وفلسفات، لم تتحرر بعد من غريزة البقاء الأولى المختبئة في ركام أعماقها.
لقد سجّل التاريخ المكتوب، منذ بدايات التدوين في بلاد ما بين النهرين قبل نحو خمسة آلاف عام، مسيرةً دامية تكاد لا تنقطع. فمن الحروب السومرية القديمة إلى الإمبراطوريات الكبرى، ومن الفتوحات الاسلامية إلى الحملات الصليبية إلى الغزوات الاستعمارية، وصولاً إلى نزاعاتنا الحديثة، ظلّ الدم أحد أكثر العناصر حضوراً في الذاكرة الجماعية. والحقيقة الصادمة أن البشرية لم تعرف سوى فترات شحيحة من السلام الكامل، لا تتجاوز بضع مئات من السنين وسط هذا اليم الممتد من الحروب والتوترات.
وإذا كانت الحضارات قد شيّدت المعابد والجامعات والفنون، فإنها في الوقت نفسه بنت الجيوش والحصون والمقابر الجماعية. لم يكن التاريخ يوماً خطاً مستقيماً نحو الفضيلة، إنّما كان مرآةً لصراع دائم بين نزعة البناء ونزعة الهيمنة، بين العقل والغريزة، بين الرغبة في التعايش وشهوة السيطرة.
ولم يكن توماس هوبز مجافياً للواقع حين وصف الإنسان في حالته الأولى بأنه «ذئب لأخيه الإنسان»، معتبراً الخوف والصراع المحركين الأساسيين لنشأة الدولة والقانون. كما لم يكن سيغموند فرويد واهماً حين رأى أن العدوان جزء أصيل من البنية النفسية للبشر، وأن الحضارة ليست سوى محاولة مضنية لكبح العنف الكامن في الداخل الإنساني.
ومع ذلك، فإن قراءة التاريخ بوصفه مجرد سجل للدمار تبقى قراءة عرجاء. فوسط هذا الركام، وُلدت أيضاً أعظم قيمنا الإنسانية: التضامن، والعدالة، وحقوق الإنسان، وفكرة السلام نفسها. وكأن الإنسان، كلما اقترب من حافة الهاوية، عاد يبحث عن معنى أعمق لوجوده، وعن صيغة أكثر رحمة لتنظيم حياته المشتركة.
قد يكون الصراع قدراً ملازماً للطبيعة البشرية، لكن طريقة إدارته هي الحد الفاصل بين الغابة والدولة، بين الوحشية والحضارة.. هي التي تحدد ما إذا كنا سنبني مستقبلاً يتسع للجميع، أم سنظل أسرى لتاريخنا الدموي، ننتظر حرباً ونسميها سلاماً.
