العالمية / رأس السنة
العالمية / العميد أسعد مخول

سهرنا وأكلنا ورقصنا، وأبدعت حناجرنا في تنغيم الآمال والأمنيات. وضحكنا، وكنا قبيل ساعات نتنوّع في إطلاق الشكاوى، في البيوت وداخل المتاجر وعلى الطرقات. ما الذي تغيّر؟ أبهذين البعد والوسع يتكوّن الفرق بين أيام السنة بأجنحتها وأطرافها… ورأسها؟ رأس السنة؟ هذا الرأس، هل هو يفكّر ويجتهد ويهتمّ ويشغل نفسه، كما تفعل رؤوس البشر؟ أم أنه يتهالك ويسترخي ويتساهل، ويطلق لأقدام مدعوّيه العنان، فيروحون ويجيئون، ويضحكون ويشربون، ويشربون أيضًا وترتوي صدورهم… ويرقصون؟
كم من قائلٍ إنّ الفرح، وإن يكن معلّبًا مصطنعًا مبرمجًا، مبرَّر في هذه الليلة. ليلة الرأس. رأس السنة. فلطالما حلّ الهمّ، وساد الغمّ، في الليالي الأُخَر. وما دام الفرح غير متوافر آنذاك، لِمَ لا نرحّب به الآن، نمازحه وننادمه، ونشبك أيادينا بيديه، ونراقصه؟
وكم من قائلٍ بالمقابل، إنّ ضحكاتنا الليلة تعني أننا بخير، لا شكوى تُعنون أحوالنا، ولا حاجة ترفع أذنيها أمام أعيننا، وفي ذلك يرى الحاكمون الحكماء المسؤولون، دلائل بحبوحة عارمة في ديارنا، ويحسبون أنّ خيراتنا عميمة، ويتوقّعون أن يستريحوا من شكاوينا، قائلين: لقد أدّينا أقساطنا للعلى. إنّ الرعايا بخير، إنّ الرعايا في هناء.
نحتار. أيّ واحد من القولين صحيح؟ نحتار في ذلك، إلاّ أننا يجب ألاّ نحتار في أنّ لهؤلاء الحاكمين الحكماء المسؤولين، همومًا تشغلهم، بشأن ترسيخ امتيازاتهم، وتلبية نداءات التنافس بينهم، وإنجاح ترشيحاتهم هم، لمناصب أشدّ علوّاً، ومنافع ألذّ طعمًا وأشهى. ولا بد أن أهلهم وأصدقاءهم ومؤيديهم قد تحلّقوا حولهم، يتلمّسون بحبوحاتهم تلك الليلة. ليلة الرأس. ورود كبيرة يفيض ماؤها فيروي الورود الصغيرة في تلك الحدائق، وما رأينا الماء يتسرب من هناك.
عتبي على السنين، وأسفي على الأعمار، أعمار مَن تتغلّب سيقانُهم على عقولهم، فيدّعون الفرح وهم حزانى، ويستدعون مظاهر النجاح وهم يتخبّطون في تجارب محكومة بالصبر والانتظار والقنوط. أبهذا نصكّ شهادات البراءة لِمَن ادّعوا تأمين حقوقنا، فاكتفوا بتحويل أنظارنا إلى السهر، ومن بعده إلى النعاس، في ليلة الرأس، رأس السنة؟!
