العالمية / رضاعةُ أُمِّ التوأمين
(كتب فوزي عساكر رئيس تَحرير مَجلة العالمية)

ذاعت حكاية «بديعة» أمّ التوأمين في بلادي، بعد أن تناقلتها كتب النوادر، وحكاياتُ السهرات الدافئة، ولقاءاتُ أهل البلاد في المناسبات الوطنية!
كان لبديعة توأمان في شهرهِما الأوّل، وكانت بديعة ترغب أن ترضعهما حليب الأمّ غذاءً للعاطفة والحنان. ولكنّ زوج بديعة، كان يطمع في المحافظة على ثَديَي زوجته، من أجل إرضاءِ رغباته وإشباع أنانيّته، وكان يَخاف أن يفقدا نضارتَهما، فمنعها من إرضاع التوأمين!
لذلك عمدت بديعة إلى إرضاعهما بالقنينة، ولكن لأنّ زوجها لا يَملك ثَمن الحليب، فيما هو ينفق أمواله على القمار، كانت مضطرّة إلى إرضاع التوأمين من نفس القنينة، فتعطي لكل ولدٍ جرعة، وتنتقل من فمٍ إلى فم، حتى آخر قطرة حليب. وبِهذا لم يكن يشبع أحد من التوأمين، وكانت رضاعةُ أُمّ التوأمين شكليّة، وبعدها يطلق التوأمان العنان للصراخ من الجوع.
هذه هي حكاية بديعة وزوجِها وتوأمَيْها… إنّها تنطيق على الدولة البديعة، التي تسرق من الجائعين لترفع معاشات الجائعين، فيبقى الجائعون جائعين، فيما الزوج المسؤول يقامر بطحين الجائعين ودواء المرضى وعرق المحرومين. وبِهذه الحال، لا تستطيع إرضاء هذا ولا ذاك، ولا تستطيع أن تُشبِعَ هذا ولا ذاك.
في هذه الدولة البديعة، لا ينقصنا فقهاء في التخطيط والابتكار، ولكن ينقصنا أصحاب ضمائر، لا يقامرون بلقمة عيش شعبٍ بكامله، يُجوّعونه ليشتروا صوته بقروش مطامعهم، كي يقبضوا على رقاب الناس وقرار الناس ووجع الناس، فيختار الناخبون من دون أن يدروا مَن اختاروا، في لوائح معلّبة، منـزوعٌ عنها تاريخ الصلاحية، لأنّها تبقى صالحة حتى يستردّ الله أمانته، ويرثها الأبناء والأحفاد.
الدولة التي عصيت عليها الجباية من المتسلّطين، ارتدّت إلى معجن الفقراء، وعلبة الدواء، لتغرّمَ شعبًا بائسًا يائسًا من مسؤوليه، وتلزمه أن يدفع عنه وعن النافذين الذين لا يدفعون. فهو شعبٌ مطيعٌ يصرخ لأربع سنوات، ويطبّل ويزمّر لبائعيه في أزمنة الانتخابات. فما الذي سيتغيّر، ما دام الشعبُ تربّى على هذه العبودية، ولا يَجرؤ أن يصرخ في وجه المسؤول الفاسد.
وهكذا، ستبقى الدولة تعتمدُ أسلوب رضاعة أُمِّ التوأمين، فلا تُشبعُ أحدًا، ويبقى الجائعون جائعين، لتبقى مُحافِظةً على نضارتِها، من أجل أن يستغلّها النافذون ويقامروا بِها ويستعبدوا توائمَها الكثيرين، بالوقت الذي تستطيع فيه أن تستثمرَ مواردها وأملاكها من أجل مصلحة الوطن والمواطن، ولا يستبيحها مَن استغلّوها منذ الاستقلال، مرورًا بالاحتلال، ومن دون أن يتغيّرَ الحال!
فيا سيدة بديعة أمّ التوأمين، كان الحريّ بكِ أن تتحرّري من زوجك المقامر، قبل أن يصير توأماكِ في المقابر!
فوزي عساكر
