العالمية / شامات لا تُختصر في زائر: كلمة عتب إلى الزميل وديع عقل
بقلم المحامي كميل حبيب معلوف

بيروت في ٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
عزيزي الزميل الأستاذ وديع عقل،
أكتب إليك بما بيننا من زمالة المهنة واحترامها، وأقدّر فيك حضورًا في الشأن العام لا ينكره منصف. وما أقوله هنا ليس اتهامًا، فأنا لا أحمّلك وزر ما كُتب عنك، وإنما عتب صديق على مشهدٍ رُوي فنقص في الرواية ما كان يجب ألّا ينقص.
لقد قرأتُ ما نشره موقع «قضاء جبيل» عن حضورك احتفال عيد مار تقلا في شامات. وصف الموقع المشهد بأنه إشارة انتخابية مبكرة، وجعل من الحفاوة التي لقيتَها دليلًا على أن الأوراق بدأت تُفتح. وهذا حق الصحافة في القراءة والتحليل. غير أن الحقيقة، كما يعرفها من نشأ في هذه القرية، أوسع من العنوان وأعمق.
وأقول بكل احترام إنك ابن شامات، من أرومتها، وإن كان السكن قد نقلك إلى جوارها. ومن كان هذا شأنه فحفاوة أهل القرية به حفاوة بابنهم العائد إلى عيده، وهي حقّ له لا ينازعه فيه أحد. لكنّ ابن القرية، أيًّا كان مسكنه، يعرف أن بيتها يتسع لأبنائها جميعًا.
وشامات يا زميلي ليست ساحةً تُقاس فيها الأحجام. هي قرية والدتي، رحمها الله، وفيها بيت جدي توفيق الحواط، وفيها قضيتُ صيفياتي بين آل جبران. وفي هذه القرية، كما في أخواتها من قرى الجبل، لا تُصنع المكانة في يوم عيد ولا يمنحها استقبال عابر. تصنعها السنون الطويلة، والبيوت المفتوحة، والخدمة اليومية التي لا تنتظر لقبًا ولا تطلب شكرًا.
وفي هذا الباب أذكر ما يعرفه أهل شامات جميعًا. حمل آل جبران مخترة القرية اثنتين وخمسين سنة، أبًا عن جدّ، فكانوا فيها عنوان الباب المفتوح والكلمة الطيبة وقضاء الحاجات. ثم انتقلت المخترة عنهم يوم دخل المال السياسي إلى الميدان، وهو ليس من شيم آل جبران ولا من طباعهم، فما كانت خدمتهم يومًا تُشترى ولا تُباع. وما انتقل معها كرمهم ولا عطاؤهم. بقوا كما كانوا لأهل شامات والجوار، بلا لقب مختار ولا صفة رسمية، لأن الخدمة عندهم لم تكن يومًا مرتبطة بختم ولا بمنصب. ومن بقي يخدم بعد زوال اللقب، ثبت أن اللقب كان تابعًا له لا هو تابعًا للقب.
وعتبي، يا أستاذ وديع، أن الرواية تحدثت عن ابن القرية العائد ولم تذكر أصحاب الدار. غاب عنها أن في شامات عائلة جبران وسائر عائلات القرية، وفيهم من أبناء التيار نفسه من يشاركك الراية والانتماء. فقدّمت للقارئ مشهدًا تبدو فيه القرية كأنها تنتظر من يختاره الحزب لها، وكأن أهلها حضورٌ لا وزن له. وهذه صورة لا تُنصف الأهل ولا تليق بك. وتجاهل عائلات القرية على هذا النحو لا يجوز، ولا يفيد التيار بل يضرّه، إذ يُري الناس بيتًا واحدًا منقسمًا على نفسه في أول الطريق. وهذا ليس من شيم أهل التيار ولا من شيمك، وأنا أعرف فيك ما يأباه.
ولا أنسب إليك قصدًا فيما كُتب. لكنّ الابن العائد إلى قريته، حين يُكتب عنه، يملك أن يقول كلمة تردّ الفضل إلى أهله. وأنت أهلٌ لهذه الكلمة. فالمنافسة الشريفة، وأنت ابن المهنة التي تعلّمنا أن الحق لا يكتمل إلا بإعطاء كل ذي حق حقه، لا تستقيم إلا بإنصاف الرفيق قبل الخصم. والتيار أوسع من أن يضيق بأبنائه في قرية واحدة، وأولى به أن يرى فيهم قوة لا خصومة.
إن الأعياد في قرانا مواعيد لقاء لا مواعيد حساب. فيها يعود الغائبون إلى الأزقة الأولى، وتُفتح بيوت الأحبة، ويجلس الناس إلى بعضهم بلا حاجة إلى ميزان. فلنترك لعيد القديسة تقلا بهاءه، وللقرية سكينتها، وللانتخابات ميعادها حين يحين.
وتقبّل، يا زميلي العزيز، فائق احترامي ومودتي.
