العالمية / ضحية مجتمع قبل أن تكون ضحية قاتل
العالمية / سمر قرة / طرابلس

كلما استيقظنا على خبر مقتل امرأة، يتكرر المشهد ذاته؛ تنشغل بعض الأصوات بالبحث عن مبررات للجريمة قبل أن تنشغل بإدانتها. تُفتَّش سيرة الضحية، وتُنسج الروايات، وتُطلق الأحكام، وهكذا أصبح حق الإنسان في الحياة مرتبطاً برضى المجتمع عنه، أما كرامته التي وهبها الله له فلا يعترفون بها.
أما الحديث عن الجريمة التي أودت بحياة إيمان الحلبي، فلا يحق لأحد اعتبارها حادثة عائلية معزولة، ولا خلافاً زوجياً خرج عن السيطرة، لأنها جرس إنذار جديد يكشف خللاً عميقاً في بنية مجتمع ما زال يسمح للعنف بأن يتخفى خلف شعارات الشرف، والغيرة، والرجولة، والسلطة داخل الأسرة.
ومهما بلغت الخلافات بين الزوجين، ومهما كانت الأسباب، فإن الإسلام حسم الأمر بوضوح حين قال تعالى:
﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229].
فإن تعذرت المودة، فالطريق هو الانفصال الكريم، كما قال تعالى في كتابه العزيز:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: 33].
أما في المسيحية، فقد جاءت الوصية صريحة: “لا تقتل” (سفر الخروج 20: 13)، كما قال السيد المسيح: “طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون.” (إنجيل متى 5: 9).
ولم يترك الإسلام باباً للفوضى أو للانتقام الفردي؛ فمن يتهم امرأة دون بينة يعاقبه القرآن نفسه، إذ يقول تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4].
أي أن الشك، والغيرة، والإشاعات، والانفعالات، ليست أدلة، ولا تمنح أحداً حق إزهاق روح خلقها الله.
لكن الحقيقة الأكثر إيلاماً أن القاتل لا يولد قاتلاً، هو يتشكل داخل بيئة اجتماعية وثقافية وقانونية قد تتسامح مع العنف، أو تبرره، أو تصمت عنه، وهذا تماماً ما يحصل في مجتمعاتنا.
في لبنان مثلاً، لا تزال قوانين الأحوال الشخصية موزعة بين المحاكم الدينية والطائفية، ما يجعل كثيراً من النساء عالقات داخل زيجات عنيفة، خوفاً من تعقيدات الطلاق، أو خسارة حضانة أطفالهن، أو الضغوط الاجتماعية والاقتصادية. وحين تغيب الحماية القانونية الفاعلة، يصبح الخروج من العلاقة المؤذية رحلة محفوفة بالمخاطر.
ومن هنا، فإن إصلاح منظومة الأحوال الشخصية، وتعزيز الحماية القانونية لكل إنسان داخل الأسرة، ضرورة إنسانية لحماية الأرواح.
أما ما يُسمى بـ”جرائم الشرف”، فهو من أخطر المفاهيم التي كرستها بعض الأعراف الاجتماعية. فالشرف ليس جسد امرأة، ولا سلوكها وحدها، ولا يُستعاد بسفك الدماء. الشرف الحقيقي هو الصدق، والعدل، والأمانة، واحترام كرامة الإنسان. أما تحويل المرأة إلى وعاء لشرف العائلة، ومنح الرجل حق الوصاية على حياتها، فهو إرث اجتماعي لا يستند إلى عدالة، ولا إلى رحمة، ولا إلى جوهر الأديان.
ومن هنا، فإن مكافحة قتل النساء تبدأ باستحداث قوانين جديدة تحفظ حقوقهن، بتحرك سياسي فعال يطالب ويتعهد بحمايتهن وتجريم من يسيء إليهن، وبتربية الأطفال على المساواة والاحترام، وبإصلاح القوانين، وبمحاسبة المعتدين، وبكسر ثقافة الصمت، وبتجريم كل خطاب يبرر العنف أو يحمّل الضحية مسؤولية موتها.
فالمجتمع الذي يعجز عن حماية نسائه، يعجز عن حماية إنسانيته كلها.
رحم الله إيمان الحلبي، ورحم جميع النساء اللواتي دفعن حياتهن ثمناً للعنف والكراهية والصمت. ولن يكون الوفاء لذكراهن بالبكاء عليهن، بل بالعمل الجاد من أجل بناء مجتمع يحمي المرأة، ويصون كرامتها، ويُخضع الجميع لسلطة القانون، حتى لا تتكرر هذه المآسي مرة بعد أخرى.
