العالمية / طرابلس: بين المأساة الدائمة وسهولة الإتهام – سمر قرة

في طرابلس، تبدو السياسة وكأنها تدور في حلقة مفرغة من المآسي المتعاقبة. فالمدينة التي تحولت بفعل عقود من التهميش إلى “مرآة فاضحة” لفشل الدولة اللبنانية، أمست عنوانًا مفتوحًا لسياسات الإهمال المتراكم.. واليوم يجد الطرابلسي نفسه محاصراً بين ثلاثة مصائر مريرة: إما سجون تُفتح تحت عناوين أمنية جاهزة، أو هجرة قسرية عبر “مراكب الموت”، أو بقاء قلق تحت سقوف تتآكل فوق رؤوس ساكنيها.

إرث الإهمال وسهولة الاتهام

هذا الواقع المأزوم الذي يطال أكثر من مليون مواطن، لم يولد من فراغ، بل هو نتاج منظومة تعاقبت على تمثيل المدينة واحتكرت قرارها الإنمائي والسياسي منذ تسعينيات القرن الماضي. ومع كل كارثة، تبرز الظاهرة الأخطر: “سهولة الاتهام”. فبدلاً من مساءلة من راكموا الإهمال ثم غادروا الساحة بلا محاسبة، نجد محاولات حثيثة لتوجيه الغضب الشعبي نحو الحلقة الأحدث في العمل السياسي.

وهنا يُساق اسم النائب إيهاب مطر اليوم إلى واجهة الاعتراض، في مقاربة تفتقر إلى الحد الأدنى من المنطق السياسي والزمني. ولا بد أن  يُطرح السؤال: فما علاقة نائب دخل البرلمان حديثاً بمنظومة إهمال متجذرة منذ ثلاثين عاماً؟ ولماذا يُراد تحميله وزر تعطيل المشاريع الكبرى ومنع النهوض بالمدينة، وهو الذي لم يرث سلطة، ولم يبنِ حضوره على خطاب مذهبي أو شبكات نفوذ تقليدية؟

دفاع عن المنطق لا عن الأشخاص

إن الدفاع عن تجربة إيهاب مطر ليس صك براءة مطلقاً، بل هو دفاع عن “المنطق” في وجه “الشعبوية”. الرجل اختار منذ اليوم الأول مساراً مختلفاً؛ وجّه جهده نحو الفئة الأكثر استهدافاً وتهميشاً: الشباب المتعلّم. من الدورات التدريبية إلى الدعم التعليمي والحضور الفعلي في المدارس الرسمية، كانت محاولاته تهدف – بحدود الإمكانات المتاحة – إلى كسر حلقة الحرمان المزمنة.

بالتأكيد، ليس هذا كافياً لإصلاح ما أفسدته ثلاثة عقود من الفساد المؤسساتي، لكن “العدالة” تقتضي ألا يُعاقب من يحاول لأنه لم يصنع معجزة في وقت قياسي. العدالة لا تُبنى بالفوضى أو بتوجيه الغضب نحو “الحلقة الأضعف” برلمانياً، بل بوضع المسؤوليات في نصابها الصحيح.

وقفة ضمير

تحتاج طرابلس اليوم إلى “وقفة ضمير” بدلاً من “معارك التخوين”. تحتاج إلى اعتراف جماعي بأن الإهمال هو مسؤولية دولة ونخب ومجتمع. والمطلوب اليوم هو منح الفرصة لمن يحاول، لا إحراقه في أتون غضب مُوجه، وحماية ما تبقى من فرص للنهوض قبل أن تغرق المدينة… مرة أخرى.

رحم الله ضحايا الإهمال، وشفى الجرحى، ولعلّ أضعف الإيمان في هذه المرحلة هو أن نختلف بكرامة، ونحاسب بعدل، ونحمي مدينتنا من الانزلاق نحو المجهول.