العالمية / طرابلس تنتفض بالجيل النظيف
آنَ للمدينة أن تُؤمن بأبنائها – العالمية / سمر قرة

بعد أعوامٍ طويلة من الإحباط، من مدينة أُنهِكت بالفساد والإهمال، تقف طرابلس اليوم على أعتاب زمنٍ جديد.
المدينة التي طالما حُوصرت بالصورة النمطية – “مدينة الفقر والتطرّف” – تنهض الآن بعقولٍ نيّرة وقلوبٍ نظيفة، لتعيد تعريف معنى المواطنة الفاعلة والكرامة المدنية.
لقد تأخر القرار، لكنّه أتى.
ومن بين رماد السياسة وانكسارات الثقة، وُلِد جيلٌ جديد من أبناء طرابلس، يؤمن أنّ التغيير ممارسة ومسؤولية.
من رحم تشرين… وُلِد جيل الأمل
من حراك تشرين 2019 خرجت أولى إشارات التحوّل الإيجابي في المدينة.
ورغم ما رافق تلك المرحلة من ارتباكٍ وضجيج، إلا أنها أنجبت أهم ما يمكن أن يولد من الأزمات: جيل الكفاءة والنزاهة.
جيلٌ تمرّس في الميادين، في ساحات الجامعة والمجتمع المدني، لا في المكاتب الحزبية وعلى أبواب الزعامات.
جيلٌ قرّر أن يرمّم المدينة من الداخل، وأن يثبت أن العمل العام يُقاس بالضمير.
وجوه تُعيد الثقة
من بين هذه الطاقات المضيئة تبرز أسماء باتت اليوم رمزًا للتحوّل والمسؤولية:
الدكتور عبد الحميد كريمة، الدكتور خالد كبارة، الدكتور وائل أزمرلي، الدكتور هاني الشعراني، والدكتور حسان ضناوي.
هؤلاء وغيرهم، يمثّلون نموذجاً لطرابلس الجديدة: مدينة تُدار بالكفاءة والعلم والنزاهة.
كلّ واحدٍ منهم يعيد الثقة بأن الانتماء الحقيقي فعلٌ يومي يليق بوجه المدينة.
من زمن الإقطاع إلى زمن الكفاءة
على مدى عقود، خضعت طرابلس لسطوة النفوذ السياسي والعائلي، وتكرّست فيها المحاصصة والزبائنية، فغابت الكفاءات وانكمش الحلم المدني.
لكنّ الرياح تغيّرت.
جيل ما بعد 2019 لا يشبه ما قبله: هو جيل لا ينتظر إذناً من أحد، ولا يرث موقعاً من زعيم، بل يصنع فرصته من الإيمان والإصرار.
جيلٌ يعرف أن المدينة لن تنهضها الخطابات، بل الوعي المؤسساتي والممارسة المسؤولة.
في الميدان… تنبض الحياة
طرابلس اليوم لم تعد محصورة فقط في المكاتب الرسمية، بل في الشوارع، في الجمعيات، في المبادرات الصغيرة التي تُعيد نبض الحياة:
شاب يُعيد فتح مكتبة أُغلقت منذ سنوات، مهندسة تُطلق مشروعًا بيئيًا من دون تمويل، طبيب يُداوي الفقراء مجانًا، مجموعة تُقيم معرضًا ثقافيًا معرفيًا في حيٍّ شعبي.
هذه التفاصيل الصغيرة هي المعنى الحقيقي للنهضة، وهي ما يمنح المدينة ملامحها الجديدة: وجهًا مدنيًا مشرقًا يرفض الانكسار.
معركة الوعي… معركة الوجود
الطريق ما زال طويلاً.
الفساد لم يرحل بعد، والإعلام المركزي لا يزال أسير الصورة القديمة، يختزل طرابلس في مشاهد الغضب والفقر.
لكنّ التحدّي اليوم أكبر من الشكوى؛ إنه معركة وعي وكرامة.
فدعم هذه الوجوه الجديدة ليس خياراً أو مجاملة، بل واجب مدني وأخلاقي.
يجب أن يشعر شباب المدينة أنهم ليسوا وحدهم في مواجهة المافيات، بل إنّ وراءهم مدينة بأكملها تؤمن بهم وتساندهم.
طرابلس تستعيد ذاتها
المدينة التي أنجبت رجال دولة ومفكرين أمثال عمر كامل مسقاوي ورشيد وحسين كرامي وخالد زيادة، لا يمكن أن تُختزل في الفوضى أو اليأس.
طرابلس كانت وستبقى مدينة الثقافة والكرامة والمبادئ. اليوم، تعود لتُبنى بأيدي أبنائها الشرفاء. فلنرفع ثقتنا بشبابنا ونؤمن بهم. فطرابلس اليوم لا تريد المستحيل، تريد فقط عدلاً في الإدارة، وكفاءة في الأداء، وكرامة في العيش. ومن هذه القيم البسيطة – الأصيلة – يبدأ التغيير الحقيقي. إنه زمن الجيل النظيف، زمن طرابلس الجديدة، زمن المدينة التي تستحق.
