العالمية / عصر اللامبالاة: كيف تحوّل الألم إلى خبر؟
العالمية / نجلاء عمري

أنقاض الانسان في زمن الحرب…
في عالمٍ يتداعى على وقع القنابل والأزمات، لم يعد الخراب مادياً فحسب، بل امتدّ إلى داخل الإنسان نفسه. تتهاوى المدن، وتتفكك العائلات، وتنطفئ الأرواح، بينما تتعرض القيم التي شكّلت معنى وجودنا لاهتراء بطيء، حتى بدا وكأن الإنسان بات يقف فوق أنقاضه الخاصة. لم يعد السؤال: ماذا يحدث؟ بل: ماذا تبقّى منّا وسط ما يحدث؟
في غزة، تُدفن الطفولة تحت الإسمنت المحطّم، وتُخنق الحياة في ممرّات ضيقة لا يتسع فيها الهواء لصرخة إضافية. هناك، تُختصر المأساة في أرقام، وتتحول الأجساد الهشّة إلى ملفات تفاوض. العالم يشاهد، يعلّق، يدين أحياناً، ثم يواصل يومه. الحياة تُقاس بموازين السياسة، والأرواح تُوزن على طاولة المصالح، لا على ميزان العدالة.
وفي السودان، تتفجّر حرب أخرى، لا تقل وحشية ولا عزلة. جوع يلتهم المدن، وذهب يُهرّب عبر الحدود، وأجساد تُسحق بين صراع السلاح وصمت العالم. ليس للخراب هناك ضوء إعلامي، ولا للضحايا وطن يحميهم. تُنهب الأرض الغنية بكل ما فيها، بينما يبقى سكانها فريسة الجوع، والمرض، والتهجير. هنا أيضاً تُقاس المأساة بما تدرّه الأرض من ثروة، لا بما يستحقه الإنسان من حياة.
المشهد الإنساني في هاتين البقعتين وربما في العالم كلّه يكشف تحوّلاً مرعباً: تراجع المعنى الحقيقي للإنسانية أمام الغريزة. صار الإنسان ينجرف نحو البقاء البيولوجي وحده: يبحث عن الطعام، والماء، والدفء، وأحياناً المتعة السريعة التي تُخمد خوفه، ومقولة «أنجو بنفسي» صارت شعار العصر. أما الأسئلة الكبرى: العدالة، الكرامة، الحرية، التضامن فتراجعت إلى الظل، كأنها رفاهية قديمة.
لكنّ الإنسان، رغم هشاشته، لم ينطفئ بعد. هناك دوماً ما يشبه الشرارة، الأم التي تنتشل طفلها من الركام، الطبيب الذي يواصل عمله وسط العتمة، المتطوع الذي يحمل صندوقاً من الأمل في بلد بلا كهرباء، الصحفي الذي يخاطر ليشهد. هذه التفاصيل الصغيرة ليست عابرة؛ هي حجّة الوجود الأخيرة، الدليل على أن ما يُدمَّر ليس قدَراً، وأن الإنسان قادر، رغم الألم، أن يرفض السقوط الكامل.
وفي النهاية: الحروب لا تقتل فقط من يسقطون فيها، بل تقتل الذين يتوقفون عن الشعور. ولعلّ مهمة الإنسان اليوم في غزة، في السودان، وفي كل مكان يتهدّد بالظلام أن يعيد ترميم قلبه، أن ينقذ ما تبقّى من قدرته على الإحساس، وأن لا يسمح للعالم بأن يحوله إلى مجرد كائن يبحث عن البقاء.
فالخلاص يبدأ حين نتمسّك بما يجعلنا بشراً، ولو بقبضة مرتجفة، فوق هذا الركام الواسع.
