العالمية / على حافة السلام الاصطناعي! – كتب فوزي عساكر

منذ طفولتي، وأنا في وطن الحرب الدائمة والشعارات المكتوبة بالأحمر! واصطحبتُ رفيقًا طيلة سنوات عمري، إسـمه الأمل، علّني أعيش السلام قبل أن تغيب شَمس العمر. ولكنّ رفيقي كان كاذبًا، فلم يتحقق اسـمه في حياتي. وقد كلّفني هذا الأمل عمرًا كاملاً من دون أن يتحقق.

كان راديو ترانزيستور رفيقنا في ساعات الهروب، مع قنديلٍ يرسم الطريق كقلم الرصاص، نَحو الـملجأ هربًا من الرصاص. وفي مَلجأ أكياس الرمل، كنّا نعلّق على نشرات الأخبار وأخبار مكتب التحرير المتسارعة، وكان والدي ينهرنا لنسكت ولا نتكلّم بالسياسة: «إنتبِهوا يا أولاد… للحيطان آذان، فلا تتكلّموا بالسياسة». ولكن كانت السياسة تسري في عروقنا من دون إرادتنا. فنحن نعيش في الوحول، وما همّ الغريقِ من البللِ.

الحمد لله، أنّ والدي قد مات قبل الحرب العالَمية الثالثة، التي تُدار على أصغر مساحة كونيّة اسـمها لبنان. ولم يعرف والدي أنّ الحرب هي تِجارة الزعماء، وأنّ وقودَها هو الشعب المغفّل الذي يؤمن بالشعارات والقضايا المزيّفة. فلو أستطيعُ أن أستحضرَ والدي لأخبره، أنّ أعداء الأمس حلفاء الحاضر، وأعداء الحاضر حلفاء الغد، في وطنٍ تُهدَم بيوته كلّ يوم، لتُبنى مكانَها المقابر!

وللأسف يا أبي، فسكان مقابرنا شهداء عندنا وعملاء عندهم، وسكان مقابرهم شهداء عندهم وعملاء عندنا. ولكنّ الأرضَ لا تفرّق بطعم الدماء!

لبناننا الكبير يا أبي، الذي لم يكن يتّسع لأحلامنا، أصبح نصفَ لبنان، لأنّ شعبه كاذب، يَموت من أجل الزعماء الـمأجورين لبلدان غير بلدنا، ومن أجل مشغّليهم يُشعلون الحروب، فيموت الشعب وقودًا في أتون تُجّار الحروب. وعندما يتّفق التجّار، يوقّعون على السلام، الذي كلّف الوطنَ آلاف الضحايا، الذين لم يربَحوا وطنًا، بل ربِحوا وسامًا برتبة شهيد!

لو تعلم يا أبي كم يكلّفنا السلام المحتوم، برضانا أو رغمًا عنّا. فليتَ في وطني زعماء يبصرون بضمائرهم، لكان حلَّ في وطننا السلام من دون شهداء!

فكلّ ما تغيّر في وطني يا أبي، هو راديو ترانزيستور، الذي انتقل إلى المتحف ليحلَّ مَحلّهُ الذكاء الاصطناعي والموت الاصطناعي والقرار الاصطناعي والوطن الاصطناعي!

إنعَم في قبركَ يا أبي، فنحن نعيشُ في نصف وطن، على حافّة السلام الاصطناعي!

فوزي عساكر