العالمية / غسلَ أرجلنا، فعبدنا التماثيل – كتب فوزي عساكر

قرّرت البشرية أن تفكّرَ بالغريزة وليس بالمنطق والحقّ، فأوقف الدماغُ خلاياه، وراح في إجازة، وراحت البشرية تكفّر بعضها بعضًا، فنصّبَ كلُّ يافعٍ نفسه إلَهًا، وكَثُرَ الآلهة فكثرَ العبيد وشبعت الأرض من قبور الضحايا.

جاء يسوع إلى العالم منذ ألفي عام، فغسلَ أرجلَ تلاميذه، ليعلّمهم التواضع والمحبة والمسامَحة، ولكن بعد ألفي عام لم تتردّد البشرية في صنع التماثيل وعبادتِها، كما فعلَ شعب موسى في البرية حين جاع. وتَحوّلت الأرض إلى هيكل للتماثيل، التي أقنعت صانعها أن يَموت فداها، شهيدًا للعقيدة.

انقسمت البشرية إلى فئتين: الظالم والمظلوم، ولا علاقة للدين في هذا الانقسام، فلم تنقسم من أجل الإله، لأنه واحد، ولكن انقسمت من أجل التماثيل التي صنعَتها وعبدَتْها.

أنا أخبركَ وأنت علم يا يسوع، أنّ وباءً عضالاً قد انتشر فأفسدَ البشرية، وهو مرض العظمة، فأصاب الجميع، وصار كل واحد منّا إلَهًا، فاستغنينا عن الإله الحقّ!

تَماثيلنا يا ربّ، آلِهة من دون قلوب، حكمَتْ شعبكَ فأذلّته، وحَمّلته صليب الـهوان، وما زال يَجرّه على طريق وعرة للوصول إلى الجلجلة البعيدة.

أنت يا ربّ، جَلَدَكَ الحراس طول الطريق؛ ولبنان يَجلده الأقربون والأبعدون من دون نِهاية للطريق…

أنتَ سقوكَ الخلَّ على الصليب عندما قلتَ: انا عطشان؛ ولبنان لم يعرف سوى طعم الخلّ من حكامه ومن الأعداء…

أنتَ طعنوكَ بالحربة على الصليب؛ ولبنان لم يُخرِجوا الحربةَ من قلبه إلى اليوم…

أنت غفرتَ لأعدائكَ على الصليب فتابوا؛ ولبنان غفرَ لكل ظالِميه ولم يتوبوا…

أنتَ أنـزلوكَ عن الصليب، ووضعوكَ في قبر، ودحرجوا حجرًا على الباب؛ ولبنان ما أنـزلوه عن الصليب، لأنّهم يريدون له أن يتوجّع أكثر وأكثر، ومَمنوع عليه أن يَحيا وأن يَموت…

يا ربّ… لبنان هو الوطن الذي صنعتَ فيه الأعجوبة الأولى في عرس قانا، لَمّا نظرتَ إلى المياه فخجلت من نظرتكَ، واحـمرّتْ وجنتاها بلون النبيذ؛ أنظر إلى أعداء لبنان، واجعلهم يَخجلون من الجريـمة التي يقترفونَها بنا في وطن اخترتَهُ أنتَ ليكونَ وقفًا لكَ.

يُخبرُنا زعماؤنا التماثيل أنّ لبنان لن يَموت… ولكن يا يسوع: الشعب يَموت… والأطفال حفاة في الطرقات…

أنظر إلى لبنان كما نظرتَ إلى لصّ اليمين الذي وضع رجاءه بك على الصليب، وقلتَ له: اليوم ستكون معي في الفردوس. فأنتَ قادر أن تُحوّلَ وطننا إلى فردوس من دون تَماثيل، لأنّ الأجيال القادمة ستتقيّأُنا عندما تقرأ التاريخ، وتعلم أنّكَ غسلتَ أرجلنا فعبدنا التماثيل!

فوزي عساكر