العالمية / لبنان: خريف الأيديولوجيات وسلام الضرورة
سمرقرة / العالمية

بين مطرقة الجغرافيا وسندان التاريخ، يقف لبنان اليوم في عين العاصفة؛ ليس بوصفه لاعباً يخطُّ قدره بيده، بل ساحةً تُصاغ فوقها ملامح شرقٍ جديد. أما القراءة المتأنية لمسار الأحداث، بعيداً عن ضجيج الشعارات وعواطف المنابر، فتكشف عن حقيقةٍ سياسية عارية بقدر ما هي مؤلمة: نحن نمضي، طوعاً أو كَرهاً، بخطىً مثقلة نحو “تسوية كبرى” أو “سلامٍ اضطراري”، سواء جاء ذلك عبر أروقة الدبلوماسية السرية، أو بوساطات دولية تفرضها موازين القوى، أو كأمرٍ واقع يفرضه الإنهاك.
فلسفة الضعف وحتمية الانكسار
إنَّ المعضلة اللبنانية في جوهرها هي “فلسفة العجز”؛ فنحن وطنٌ استمرأ العيش على ضفاف القوة المستعارة، حتى غدونا بلداً مستضعفاً لا يملك من أمره إلا صدى أصوات الآخرين. إن الحرب في وجهيها: الداخلي المفتت، والخارجي الذي جعل من أرضنا “صندوق بريد” دامياً، لم تترك للسيادة مكاناً. وحين يغيب القرار الوطني الموحد، وتتبدد القوة الاقتصادية والعسكرية في أتون الانقسام، يصبح “السلام” ليس خيار الأقوياء بالعدل، بل ملاذ الضعفاء بالضرورة.
المسألة مسألة وقت لا أكثر
تشير التراكمات الراهنة إلى أن سقف المواجهة قد لامس حدود العدم؛ فالكيان، ومن خلفه نظامٌ دولي لا يعترف إلا بالقويّ، يدرك أن لبنان بات هيكلاً. ومن هنا، فإن الذهاب نحو معاهدة أو ترتيبات أمنية (سواء كانت ظاهرة في نصوص رسمية أو باطنة في تفاهمات حدودية) هو المسار الذي يُرسم خلف الكواليس. نحن بلدٌ فقدَ “حولَه وقوتَه” في زواريب المناكفات السياسية، حتى باتت التسوية بالنسبة للبعض “طوق نجاة” مرّاً، وبالنسبة للواقعية السياسية “قدراً لا مفر منه”.
خلاصة المشهد:
لبنان اليوم لا يقود الحرب ولا يملك مفاتيح السلم؛ هو ريشة في مهب التوافقات الكبرى. إن الضعف حين يتجذر في بنية الدولة، يتحول إلى “قدرٍ جيوسياسي” يرغمها على قبول ما كانت ترفضه. المسألة لم تعد “هل؟”، بل “متى وكيف” سيُخرج هذا المشهد للعلن؟
نحن أمام خريف الأيديولوجيات، حيث تصمت المبادئ أمام صرخة البقاء، وحيث يبدو أن السلام القادم لن يكون مصافحة أنداد، بل إذعان واقعٍ مأزوم لضرورات الجغرافيا والزمن.
