العالمية / لبنان على خط النار – الدكتور جوليان صفير

منذ سايكس- بيكو وسقوط السلطنة العثمانية، تشكّلت خرائط المشرق على وقع صراعات كبرى أكثر مما قامت على توازنات داخلية مستقرة. تعاقبت الحروب العربية–الإسرائيلية، ثم جاءت الثورة الإسلامية في إيران عام ١٩٧٩ لتدشّن مشروع نفوذ إقليمي عابر للحدود. ومع سقوط بغداد عام ٢٠٠٣، تسارعت عملية تفكك النظام الإقليمي القديم، وبرزت قوى غير دولتيّة لاعباً محورياً في إعادة صياغة التوازنات. هكذا دخلت المنطقة مرحلة صراعات ممتدة تتجاوز الحدود التقليدية للدول.

اليوم، ومع دخول الولايات المتحدة المباشر في المواجهة إلى جانب إسرائيل، لم يعد الصراع محكوماً فقط بمنطق الردع المتبادل، بل اتخذ طابعاً حاسماً يستهدف تقليص نفوذ طهران وإعادة رسم قواعد الاشتباك جذرياً. لم تعد المسألة تبادل ضربات محسوبة، بل محاولة لإعادة تشكيل المشهد الإقليمي برمّته، ما يرفع مستوى المخاطر إلى حدّ المواجهة المفتوحة ذات النتائج البنيوية.

في هذا السياق، يقف لبنان في موقع بالغ الحساسية. وجود حزب الله كقوة عسكرية فاعلة ضمن محور تقوده إيران يجعل الساحة اللبنانية جزءاً عضوياً من معادلة الصراع. وإذا كانت الحرب تتجه نحو إنهاء حالة نفوذ لا مجرد ضبطها، فإن لبنان يصبح عرضة لأن يكون أحد ميادين هذا التحول، سواء عبر تصعيد مباشر أو من خلال ضغوط سياسية وأمنية واقتصادية متزامنة.

انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة أعادا انتظاماً دستورياً ضرورياً، لكنه مسارٌ لا يشكّل ضمانة بحد ذاته. التحدي الفعلي يكمن في تحويل هذا الانتظام إلى إرادة سياسية واضحة تعيد تثبيت مرجعية الدولة في قرار الحرب والسلم، وتعزز دور الجيش اللبناني كمؤسسة جامعة وحيدة مخوّلة حماية الحدود. فاقتصاد هش، وبنية تحتية منهكة، ومجتمع مثقل بأعباء الانهيار، كلها عوامل تجعل أي انزلاق واسع كارثة وطنية لا مجرد حدث عسكري.

غير أن المسألة في جوهرها تتجاوز الحسابات العسكرية. إنها سؤال وجودي عن معنى الدولة وحدود السيادة في زمن المحاور. لبنان ليس مجرد رقعة جغرافية على تخوم الصراع، بل فكرة عيش مشترك وصيغة حرية في منطقة تعصف بها الانقسامات. والحروب، مهما ادّعت أنها حاسمة، تبقى في النهاية اختبارات أخلاقية للشعوب قبل أن تكون اختبارات قوة للجيوش.

قد تُرسم خرائط جديدة، وقد تتبدّل موازين القوى، لكن ما لا يُقاس بالخرائط هو قدرة مجتمع على التمسك بفكرته عن نفسه. بين منطق الإلغاء ومنطق الدولة، بين الغلبة والتوازن، يقف لبنان أمام مرآته. فإذا اختار أن يكون دولة حقاً، تحوّلت الجغرافيا إلى قدرٍ يُدار بالحكمة. أما إذا بقي ساحة، فصار القدر عبئاً يُدار عنه.

في زمن الحروب الحاسمة، قد تنتصر الجيوش أو تُهزم، لكن الأمم تُقاس بقدرتها على صون ذاتها. ولبنان اليوم مدعوّ إلى أن يختار ذاته، لا أن يُختار له.

الدكتور جوليان صفير