العالمية / لبنان.. هندسة “الجمهورية الثانية” من حطام الاستنزاف – سمر قرة

تُجمع المؤشرات السياسية والقراءات الميدانية على أن رحى الحرب التي تطحن الواقع اللبناني اليوم قد بلغت ذروة “التوحش”. فهي صراعٌ يشتد أُواراً ويتوسع رقعةً، لكنه – وفق نواميس النزاعات الكبرى – يحمل في أحشائه بذور نهايته المباغتة. إننا أمام مشهدٍ عبثي، حيث تقف الحرب فجأة كما بدأت، ولكن بعد أن تكون قد تركت خلفها جغرافيا مثخنة بالجراح، وبنية تحتية أضحت أثراً بعد عين.

الاستنزاف الوجودي: تجاوز الصمود

لقد عبرنا في هذه الجولة مفهوم “الصمود” التقليدي إلى مرحلة “الاستنزاف الوجودي”. لم تدمر الحرب الحجر والبشر فحسب، بل أجهزت على ما تبقى من طاقة التحمل لدى مجتمعٍ قاوم طويلاً بصدور عارية. ثم ان احتراق القدرة على الاحتمال هو توصيف دقيق لحالة الإنهاك التي أصابت العصب الاجتماعي والاقتصادي، مما يجعل العودة إلى “ستاتيكو” ما قبل الحرب أمراً مستحيلاً وتكراراً للخطيئة.

المخاض: ولادة من رحم الرماد

يبدو أن هذا الدمار الشامل ليس سوى مخاضٍ عسير؛ فالتاريخ ينبئنا أن الدول التي تُستنزف حتى الثمالة تدخل حتماً في مرحلة إعادة التأسيس. ولبنان اليوم يقف على أعتاب “جمهورية ثانية”، أو كيانٍ يعاد تعريفه جذرياً. هذه الولادة لن تُقدم على طبق من ذهب، بل هي نتاج حطامٍ يتطلب فكراً هندسياً جديداً لا يكتفي بترميم الماضي المهترئ، بل بابتكار المستقبل على أسس الدولة الناجزة.

معادلة البقاء: الذكاء بديلاً عن القوة

في مرحلة ما بعد الدخان، ستسقط معادلات القوة التقليدية؛ فلم يعد “الأقوى” عسكرياً أو الأكثر صخباً هو من يمتلك مفاتيح الديمومة. إن معادلة البقاء في لبنان الجديد ستنحاز لـ*”الأذكى”*؛ الأذكى في التقاط اللحظة الدولية، الأذكى في تدبير الموارد الشحيحة، والأذكى في بناء جسور التوافق التي تحمي الكيان من التلاشي. إننا نحتاج “ذكاء البناء” و”دبلوماسية الواقعية” التي تدرك أن الشعوب لا تقتات على الانتصارات الوهمية فوق الركام، بل على الاستقرار والكرامة.

وفي الختام

لبنان يحترق نعم، ولكن ليتشكل من جديد. وبين “اشتداد الحرب” و”توقفها المفاجئ”، تكمن فرصة تاريخية لأصحاب العقول الراجحة والقلوب المؤمنة بالوطن، ليقودوا سفينة المخاض نحو شاطئ الأمان. فالحرب قد تقتل الضعفاء، والسياسة تُنهك الأقوياء، لكن الحكمة وحدها هي من تمنح الأذكياء حق البقاء وبناء الدولة.