العالمية / مأزق مطر: هل تتجزأ الإنسانية؟ إدانة ‘بوندي’ تهز عرش الأخلاق في السياسة اللبنانية

سمرقرة / طرابلس – العالمية

في البيئة السياسية اللبنانية، الكلماتُ رصاصٌ والاصطفافُ عقيدة وحين يغيب الحياد، يصبح الموقف الإنساني المجرد تهمةً تحتاج إلى تبرير.. وهذا هو المشهد الذي وجد فيه النائب إيهاب مطر نفسه مؤخراً، حين خرج ليدين الهجوم الذي استهدف شاطئ “بونداي” في سيدني الأسترالية.
لم يكن الهجوم على مطر بسبب إدانته للقتل بل بسبب توقيت الإدانة ومكانها، واتُهم بما يُعرف في أدبيات الصراع بـ “الانتقائية”.. فهل كان موقف النائب فعلاً ازدواجية أم أنه ببساطة تمسُّك بأبجدية الأخلاق التي لا تُجزَّأ؟
لفهم موقف مطر الدولي، يجب العودة إلى خطه المحلي في طرابلس. الرجل، الممثل عن طرابلس، لم يُعرف يوماً بخطاب المواربة، فتصريحاته الأخيرة مع أهالي المدينة كانت حاسمة وموثقة: “لن أتحالف مع مَن أضعف طرابلس”. وهذا المبدأ لم يكن شعاره الانتخابي، بل هو رفضٌ للظلم والفساد الذي أغرق مدينته.
وعلى هذا، أي رفض الظلم أينما كان هو، ما يُفترض أنه امتداد لموقفه العالمي. فإذا كان الظلم السياسي مرفوضاً في الشمال اللبناني فكيف يمكن تبرير الإرهاب الذي يستهدف مدنيين في أي قارة أخرى؟
انتقاد النائب مطر ارتكز بشكل أساسي، على أنه لم يعبّر بنفس القوة والحدة عن إدانة الهجمات، التي تستهدف المدنيين في فلسطين أو جنوب لبنان.. وهنا يكمن التحدي الأكبر ويتمثل في نقطتين:
الربط العاطفي المُعلن: بيانه أشار بوضوح إلى أن أستراليا هي “وطن حنون ثانٍ” في إشارة صريحة إلى الجالية اللبنانية الكبيرة هناك. وهذا التوصيف الإنساني وإن كان لا ينتقص من وطنية مطر، فإنه قد يوحي بـ “الأولوية العاطفية” للمأساة البعيدة على حساب المآسي القريبة.
الاستجابة الفورية للإرهاب: مطر بإدانته الإرهاب بشكل مطلق، استند إلى نص جامع وموثق في العقيدة الإسلامية: “مَن قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا” (المائدة: 32). إدانة هذا النوع من الجرائم هو تأكيد لرفض الإرهاب كمنهج وليس تحالفاً سياسياً مع الضحية.
ولنأتِ للمقايضة المغلوطة:
جوهر الانتقاد هو محاولة لمقايضة الإدانة: جعل الموقف السياسي (من قضية المقاومة أو فلسطين) شرطاً مسبقاً لإدانة الجريمة في أي مكان آخر. المقال هنا يؤكد أن هذا المنطق خطير.. إدانة جريمة في سيدني لا تعني الصمت عن الجرائم في غزة، بل العكس هو الصحيح: الاتساق الأخلاقي هو إدانة القتل أينما وقع الجُرم.
أما عبارة “الوطن الحنون الثاني” التي أثارت الحفيظة، فهي في الواقع تعكس علاقة كل اللبنانيين ببلدان الاغتراب. أستراليا احتضنت مئات الآلاف من اللبنانيين الفارين من الحرب والأزمة وحفظت كرامتهم.
والاعتراف بفضل بلد مضيف، لا يعني التنازل عن الانتماء للأصل. إنها رؤية ناضجة للوطنية لا تطلب منك أن تكره بلداً ما كي تحب وطنك الأم. وهذا التفسير القائم على الواقع الاجتماعي للجالية اللبنانية، يُفنّد الاتهام، بأنها كانت عبارة ذات دلالة سياسية لخدمة أجندة خارجية.
في الختام، النائب إيهاب مطر في موقفه الأخير، لم يختر أن يكون نائباً لـ “المزاج السياسي العام”، بل اختار أن يكون صوت ضمير حتى لو كان الثمن باهظاً. فالوطنية الحقيقية ليست صراخاً أو انتقائية في الدم، بل هي القدرة على تمييز الجريمة من النضال المشروع. ومطر لم ينحز لدم ضد دم، بل انحاز بشكل مطلق لرفض الإرهاب في كل صوره… وهذا الثبات على الموقف الأخلاقي في زمن التحريض، يمثل أعلى أشكال الشجاعة السياسية التي نحتاجها في لبنان.
