العالمية / معرض رشيد كرامي: معركة الوجود بين “إرادة الحياة” و”زمن الإهمال” – سمر قرة

هنا طرابلس؛ المدينة التي تُقاس اليوم بقدرتنا على النهوض وبقدرتنا على استعادة “المجال العام” من براثن النسيان. هنا يقف معرض رشيد كرامي الدولي شاهداً صامتاً على عبقرية “نيماير” المعمارية، وساحة اشتباك حقيقية بين واقعٍ يفرض الركود وإرادةٍ شعبية ترفض الموت السريري لهذا المرفق الكوني.

السيادة على المكان: أبعد من مجرد نزهة

إن تحويل المعرض إلى فسحة مفتوحة للناس ليس ترفاً أو “تمضية وقت”، بقدر ما هو فعل استرداد سيادي. فبعد عقود من الصيانة الغائبة والأسوار الموحشة، تصبح عودة الروح إلى هذه المساحات هي الحجر الأساس لأي مشروع إنقاذي. ولا يمكننا الحديث عن استثمارات بمليارات الدولارات في مكانٍ يجهله أهله؛ لذا، فإن العلاقة الحميمية التي تُبنى اليوم بين الطرابلسي ومعرضه هي “الضمانة الشعبية” التي ستحمي أي استثمار مستقبلي من التخريب أو التبعية.

ثلاثية النهوض: استعادة الثقة قبل رأس المال

اليوم، وكما نلمس من رئاسة المعرض والمسؤولين عنه، هم لا ينتظرون المعجزات، بل يبنون مساراً يقوم على واقعية فذّة: تأهيل تدريجي، أنشطة تستقطب الحياة، وترميم للصورة الذهنية للمدينة. إذن، نحن أمام مرحلة “تثبيت الأرض”؛ فالمستثمر لا يضخ أمواله في الفراغ، بل يبحث عن بيئة “نابضة”. وما يُعمل عليه اليوم هو رسالة مدوية للعالم: “طرابلس جاهزة، والمكان ليس للبيع بل للإحياء”.

ضريبة البقاء: مسؤولية لا عبء

أما الجدل المثار حول رسوم الدخول، فيجب أن يُقرأ بعين المسؤولية الوطنية لا بمنطق الشعبوية الضيقة. في ظل انكفاء الدولة الكامل وتلاشي الدعم المركزي، تتحول هذه المساهمات الرمزية من “رسم دخول” إلى “صندوق صمود”. إنها تكلفة الحفاظ على النظافة، الأمن، والاستمرارية. إن دفع ثمن البقاء هو الخيار الوحيد المتبقي للإدارة لكي لا يتحول المعرض إلى غابة من الإسمنت المتهالك. إنه استثمار المواطن في ملكيته العامة.

نداء للنهوض: المعرض هو البوصلة

إن التجربة الحالية تعيد تعريف “الإنقاذ”: ليس مشروعاً يهبط علينا من المظلات، بل هو تراكم للنجاحات الصغيرة. وإن ما يحدث هو البداية لمسارٍ يربط الاقتصاد بالثقافة، والترفيه بالإنتاج.

يا أهلنا في طرابلس، ويا كل حريص على نبض الشمال:

إن دعم المعرض اليوم، بالحضور، بالمحافظة عليه، وبتفهم ضرورات تشغيله، هو واجب أخلاقي وتنموي. والسؤال الذي علينا مواجهته ليس عما سيفعله المعرض لنا، بل عما سنفعله نحن لتبقى أبوابه مفتوحة.

لقد انتهى زمن الانتظار على رصيف الوعود الحكومية. اليوم، الإدارة الجديدة تكتب حكاية المعرض، ونحن من سيحول هذا “الترفيه الصامد” إلى محرك اقتصادي يغير وجه الفيحاء إلى الأبد.

المعرض كرامة طرابلس المعمارية، ودعمه معركة لا تقبل القسمة على اثنين.