العالمية / مقابلة الكاتب الروائي ابراهيم حسن – حاوره مراسل العالمية في السودان نور قطر

بين دفتي “صفق العنب”، يأخذنا الكاتب الروائي والباحث إبراهيم حسين دربات في رحلة وجدانية تتجاوز حدود الحكاية العادية، ليرسم بريشة الكلمات ملامح مجتمع وقيم توشك أن تتلاشى. نلتقي به اليوم لنبحر في عالم هذا الكتاب، ونسأله عن تلك اللحظة التي تحول فيها “صفق العنب” من مجرد فكرة إلى نص ينبض بالحياة.

س/ “صفق العنب” عنوان يحمل دلالات بصرية وصوتية قوية. لماذا اخترت هذا الاسم تحديداً ليكون بوابة لعملك؟

ج/ بمجريات الأدب، ولعل لبنان معروف انه بلاد الأدباء والمثقفين وبالتالي لا يغفل عليها هذه الاهمية.

صفق العنب، هذه الرواية التي جمعت بين الخيال والحقيقة، هذه ليست أولى أعمالي، بل اول عمل لي يحمل عنوان (رحيق الأمكِنة) وهي من نوع أدب السيرة الذاتية، في مضمونها إنسان عاش في اقاصي البلاد الغربية، وانتقل إلى العاصمة السودانية الخرطوم، وتلك الفروقات الموجودة بين الريف والمدينة، جعلت من شخصية الرواية شخصية تنظر لتلك الأبعاد بعين العقل، وتضع النقاط على الحروف، وتدق ناقوس الخطر، من اجل المساواة، ودحض الفوارق الإقتصادية وانهاء التهميش، وتطرح فكرة الهجرة العكسية من المدينة إلى الريف.

ثاني أعمالي، يحمل عنوان (عنق الزجاجة) وهي من نوع ادب السجون، أدب السجون هو ذلك النوع من الأدب الـذي يُكتَب داخل السجن في أغلب الأحوال، يسرد فيه الكاتب ما رآه، يصف ما عاناه وعاينه. أو حينما يخرج من السجن ويبدأ في سرد كل الوقـائع التي عاشها داخله. وهناك أيضًا بعض الكتاب الذين كتبوا روايات عبارة عن قصص ومذكرات سمعها من مساجين حقيقيين، وصاغ تلك الحكايات- التي تستحق أن تُذكر- في قالب أدبي روائي. وهناك بعض الروايات في أدب السجون ليس إلا محض خيال من الكاتب. المهم أن أدب السجون هو نوع أدبي يصف فترة معينة من السجن، فترة حدثت فيها أحداث كثيرة تستحق الذكر. تستحق أن تخرج من بين قضبان السجن ليعرفها الآخرون.

رواية عنق الزجاجة هي رواية حقيقة، نبأت فكرتها، عندما كنت معتقلًا في بداية الحرب، اردت ان اسطر تلك المعاناة في قالب أدبي، يتكون من ثلاثة فصول، تجربة الكاتب مع المعتقل، ثم الخروج من الوطن، والخروج من الوطن هذا لا يعني اننا نتركه ونسير ريثما طاب بنا المقام، بل الوطن ان كان خرابا نحبه، الوطن لم يكن يومًا سببًا في طرد ابنائه، بل هو الام التي تحتضنهم جميعًا على مختلف انتماءاتهم السياسية ومشاربهم الثقافية. من هذا المنطلق، ادعو كافة ابناء الشعب السوداني، لتوظيف وقتهم من أجل البناء والاستقرار، ونبذ العنصرية والجهوية، لأن الأوطان لا تبنى بتلك المسائل.

ثالث أعمالي وهو محور السـؤال!

رواية صفق العنب، اختياري لهذا العنوان هو رمزية للجمال، والسقوط، لنشرح أكثر في تلك الأسئلة التالية.

رابع أعمالي هو كتاب (أطياف فكــرية) عبارة عن مجموعة مقالات، عن الفكر والثقافة، وقراءات نقدية للروايات والمجموعات القصصية، ومقالات عن الفكر الإسلامي، وتحديدًا تجربة الشيخ د. حسن الترابي، ود. زاكر نايك.

خامس أعمالي (رواية سوداني في بلاد المـلايو) هي من نوع أدب الإغتراب، تجربة سوداني وُلد في مدينة النهود وقضى خمسة عشر عامًا في رحاب المالايون وأقصد هنا دولة ماليزيا.

سادس أعمالي (الضفة الأخرى من الحكاية) قريباً تحت الطبع عن دار النخبة للنشر والتوزيع بجمهورية مصر العربية، عبارة عن مثقفات في الأدب الإريتري، تجربة الأديب الإريتري هاشم محمود، وحجي جابر نموذجًا.

س/ لكل كاتب “شرارة” أولى، ما هي اللحظة أو الموقف الذي دفعك لتدوين هذه السلسلة من الخواطر أو القصص؟

ج/ حقيقة رواية صفق العنب، هي تجربة عاطفية لطالب جامعي، وعندما نذكر العلاقات العاطفية في الجامعات، لا بد ان نضع خطين، تلك العلاقات احيانا رمادية بمعنى البداية جميلة والنهاية ندم، وتارة أخرى نواة لتكوين اسرة جمعتهم قلعة العلم والمعرفة، وهذا طبعًا القليل من ينجح فيها.

العلاقات العاطفية في الجامعات، التي تتأثر بها الأكثر طبعًا هي الأنثى، لأن الشاب أصلاً، كما يقولون في لغة الشباب (الشاكوش، نحن ناكلها قرض) بمعنى لا نتأثر كثيرًا، ومن هنا نستدرك ان العلاقات داخل الجامعات خصوصًا مبنية على الهش من الطرفين، ربما تكون تلك العلاقة هي تلسية او محاولة للاستغلال، واحيانا الشباب، في العلاقات يميلون للاستغلالية، وهنا ان كانت الفتاة خاضعة لقلبها ستكون هي التي تندم. لذلك انا لا أقول يا طلاب الجامعات لا تحبوا، بل أَحبوا وعاملوا حبيباتكم، لكن لا تخذلوهنّ. كونوا على قدر الوعد والمسؤولية.

في هذه السانحة لا بد أن اذكر شيئًا مهما، يا طلاب الجامعات اغتنموا فرصة أيامكم في الجامعة، لا تدعوها في مهب الرياح، كونوا أكبر قدر من الأصدقاء، حافظوا على علاقتكم الاجتماعية، لأن الجامعة في آخر يوم لك، وعندما يقولون لك ضع القلم وانت في آخر إمتحان، ومنها تغادر بوابة الجامعة في تلك اللحظات، ستجد الفرق، لذلك العلاقات الاجتماعية هي ضرورة ملحة داخل الجامعة.

س/ نلمس في الكتاب انحيازاً واضحاً للمكان وتفاصيله (القرية، الأهل، العادات). هل “صفق العنب” هو محاولة للتمسك بالهوية في زمن التغييرات المتسارعة؟

ج/ نعم، انا واحد من الكتّاب الذين يحبّذون إدراج العادات والتقاليد داخل العمل الروائي لعكس الثقافات والتنوع. بالتالي التمسك بالهوية، هو مدخل لدحض الفوراق بين المكونات والسودانيين عمومًا.

​س/ تميز أسلوبك بمزج البساطة بالعمق الفلسفي. كيف استطعت تطويع اللغة لتعبر عن مشاعر إنسانية معقدة بكلمات قريبة من قلب القارئ؟

ج/ اخي نــور، الفلسفة هي نتاج عمليات معقدة، يغوص في تفاصيلها القارئ من أجل تحويل الشيء المعقد إلى بسيط، بالتالي الساطة هي مدخل للعمق.

س/ إلى أي مدى ترى أن الأدب قادر على “تأريخ” المشاعر الإنسانية بشكل أصدق من كتب التاريخ التقليدية؟

ج/ عندما نقرأ نصًا أدبيًا نجد أنفسنا امام بوابة مشرّعة، وتلك البوابة هي المدخل للمعرفة ومخاطبة القضايا بشتى انواعها. الأدب بأنواعه هو الأقرب لوعي المجتمع، ومعرفة الحقائق، بالتالي هو اصدق من التاريخ لأن الأدب يخاطب الماضي والمستقبل والحاضر.

س/ ما هي الرسالة التي تمنيت أن تصل إلى القارئ لحظة إغلاقه للصفحة الأخيرة من “صفق العنب”؟

ج/ في آخر نقطة من روايتي صفق العنب لا بد ان اذكر تلك الجملة:

«انجبت لي ابنة واسميتها إيمان، كم ان فخور بأن تكون ابنتي تحمل اسم محبوبتي السابقة».

قالت إيمان: كذلك اذا انجبت ولدًا سيكون اسمه إبراهيم.

الملاحظ من خلال هذا الحوار، بالرغم من الفــراق إلاّ أنّ هناك مساحة للحب والاحترام، من هذا المنطلق أريد من الجميع أن يفردوا مساحة للحب والتسامح، والعفو عند المقدرة، هذه الحياة لا تستحق الكره والخصومة.

س/ بعد هذا العمل الذي احتفى به الكثيرون، كيف تنظر إلى تجربتك القادمة؟

ج/ أنـا لا احب ان اصنف نفسي بنفسي، اترك هذه المساحة للقارئ الذي يجد من تلك التفاصيل الصغيرة ملاذًا آمنًا.

س/ وهل سيظل “المكان” هو بطلك الأساسي؟

ج/ بكل تأكيد المكان يؤسس لعلاقة عميقة بين النص والقارئ. فالمكان، بوصفه بنية سردية، يعيد تشكيل التجربة الإنسانية داخل الرواية، ويمنحها أبعادًا نفسية ورمزية تتجاوز حدود الوصف المباشر.

المكان في الأدب عنصر بنيوي ودلالي أساسي، يساهم في تشكيل الشخصيات وتطوير الحبكة، كما يعمّق البعدين النفسي والرمزي للنص. فهو الفضاء الـذي تتحرك فيه الشخصيات، ومن خلاله تتكشف ملامحها وتتشكل علاقاتها. ولا يقف دوره عند حدود التنظيم السردي، بل يتعداه ليصبح مرآة تعكس مشاعر الشخصيات وأفكارها؛ فالمكان الضيق قد يوحي بالاختناق والعزلة، بينما يرمز الفضاء الواسع إلى الحرية والانفتاح.

س/ كلمة أخيرة عبر مجلة العالمية.

ج/ أنا أشكرك أستاذ نور، وأشكر أسرة العالمية في لبنان الشقيق، وأتمنّى السلام لهذا الوطن، والازدهار لهذه المجلة الراقية التي تنتشر حول العالم.