العالمية / ملاحم إسلامية بأقلام مسيحية – سمر قرة

في لحظة تاريخية يتحجم فيها العقل وراء أسوار الانغلاق، وتنكفئ الهويات على ذواتها كقلاعٍ موصدة لا تفتحُ أبوابَها إلا لصدى صوتها المنفرد.. يطلُّ علينا الدكتور جهاد عدنان الزغير بكتابه الأكاديمي الموسوم بـ: “ملاحم إسلامية بأقلام مسيحية”؛ لنرى أننا أمام دراسة نقدية رائدة، لم تقف عند حدود التحليل الأدبي الجامد، بل تصدت لجماليات الملحمة.. أسلوباً، وتاريخاً، وموقفاً إنسانيّاً شاملاً.

ومع إشراقة هذا الإصدار، أبت “منشورات شاعر الكورة الخضراء” إلا أن تُتوج مسيرتها الثقافية بلمسة من المحبة والتصالح، فجاء هذا الكتاب ليحمل الرقم (138) في سجلّ إصداراتها الذهبية، برعاية الشاعرة ميراي شحادة، معلناً أن النشر فعلُ إيمانٍ بالوحدة الروحية التي تصهر أبناء الوطن في محراب الكلمة السامية.

إصرارُ المثقف في وجه الأنواء

ولأن الكلمة الحق لا تكسرها العواصف، شهد معرض الحركة الثقافية في “أنطلياس” هذا العام ولادة هذا الأثر الإبداعي، حيث حضر الدكتور الزغير حفل توقيع كتابه حاملاً معه كبرياء المثقف الذي لا يلين. ورغم مرارة “التهجير” وقسوة التعب ومشقة الظروف الراهنة التي يعيشها لبنان بشكل عام، وهو بشكل خاص، أبى الكاتب إلا أن يواجه التحديات بحضوره المهيب؛ ليعلن من جناح “شاعر الكورة الخضراء” أن “الله كلمة” وأن “الكلمة مقاومة”، وهي جوهر الحياة الذي ننتصر به على العدم.

سيكولوجية الإبداع: الدوافع الذاتية “بين الزهو والكمال”

يغوص الدكتور الزغير في “المختبر النفسي” للشعراء المسيحيين الذين نظموا ملاحم إسلامية، محللاً الدوافع العميقة التي حركت قرائحهم:

 * الزهو وإرضاء الذات: يرصد الكتاب شعور البهجة الذي يغمر المبدع حين يقدّر الأدباء نتاجه، مما يشبع ذاته الإبداعية التواقة للتقدير.

 * التأثير والتفاعل: الرغبة العميقة في صناعة الوعي لدى الناس وفتح أبواب النقاش الجاد، حيث يفترض الشاعر وجود متلقٍ يمنح النص حياته الثانية عبر النقد والتحليل.

 * العبقرية المتجاوزة للألم: يظهر “بولس سلامة” اعتزازه بفرادة خياله وقدرته على الخلق الفني على الرغم من معاناته ومرضه، كفعل انتصار للذات المبدعة على الوهن الجسدي.

 * الانفكاك عن “القطيع”: من أكثر الدوافع أهمية التي رصدها د. الزغير هو شعور الشاعر بفرادته عبر الانفكاك عن الجماعة الضيقة، وتبني وجهة نظر إنسانية منفتحة ترفض القوقعة والجمود الطائفي.

 * طلب الكمال والمكافأة الغيبية: يسعى المبدع لتحقيق ذاته من خلال إخراج العمل بـ “أبهى حُلّة”، معتداً باقتران اسمه بشخصيات تاريخية مقدسة كالنبي محمد (ص)، وعلي بن أبي طالب والحسين (ع). بل يذهب د. الزغير إلى أن من أهدافهم “الميتافيزيقية” أن يسامحهم “القدير” عن عثراتهم مكافأةً على هذا النتاج العظيم.

فلسفة المظلومية: حين يلتقي “المصلوب” بـ “الشهيد”

ترتكز دراسة الزغير الأكاديمية على نقطة جوهرية تتجاوز جفاف السرد التاريخي وهي “وحدة الوجدان”، عبر رصد تشابه مظلومية السيد المسيح بمظلومية أهل البيت. وهنا استطاع “بولس سلامة” و”جورج شكور” من طريق المنهج السيميائي النفسي أن يصهرا الآلام الإنسانية الكبرى في قصيدة واحدة، حيث يبرز البطل كرمز كوني تتدخل العناية الإلهية لنصرة قضيته، مما منح الملاحم صبغة “قدسية” عابرة للأديان.

وقفة وتوصية

هذا الكتاب هو “بيان استنهاض” وضرورة معرفية ملحة في زمن التفتت. إنه إضافة غنية للمكتبة العربية. وعليه فإننا نوصي بشدة بقراءة هذا العمل الذي يردم فجوة بحثية كبيرة ويقدم درساً بليغاً في “التعاطف الحضاري”؛ إذ هو كتاب يستحق أن يتصدر مكتبة كل باحث عن الحقيقة، وكل مؤمن بأن الثقافة هي الجسر الوحيد الباقي فوق أنقاض الانقسام.

الخاتمة: السؤال الذي لا يهدأ

ولن ننسى كيف يختم الدكتور جهاد الزغير بحثه الأكاديمي بقفلة النص التي هي في جوهرها مشروع بحثي مستقبلي وقلق فكري نبيل، حين يقول:

“ويبقى السؤال الذي يؤرقني: هل من باحثٍ يبحث عن ملاحم إسلامية، أبطالُها مسيحيون في مرحلة تاريخية معينة؟”