العالمية / ناطور المصرف – العميد أسعد مخول

عتب عليّ الباحثون، ولامني الموثّقون المحلّلون، لأنني ألقيت المسؤولية، في نصّ سابق، على المصارف، لإخلالها بالأمان، ولعدم رغبتها، أو لعدم قدرتها، على إعادة الودائع المالية إلى أصحابها. تلك الودائع التي ظنّ مودعوها أنهم إنّما أودعوها لدى أيدٍ أمينة رحيمة عاقلة، في يوم أبيض، استعدادًا لأعباء يوم أسود، لا بل أيام سود مظلمةٍ ظالمةٍ مقيتة.

أنا لا أستطيع تَحديد المسؤوليات، ولا توزيعها بالنّسب الواجبة هنا وهناك، ولا على هذا وذاك. أنا أودعت مالي، كائنًا ما كان حجمه، في المصرف. وأنا لا تربطني علاقة ودّ، أو صداقة، أو زمالة، أو تعاون، مع أيّ من موظّفي المصرف، ولا موظفاته. بذلك كيف لي أن أعرف المصارف الموازية له في عواصم المال في العالم؟ وكيف لي أخيرًا أن أعرف ما يسمّى «صندوق النقد الدولي»، بعظمته وتَميّزه وقوّة تأثيره؟ كيف لي أن أعرف تلك المواقع جميعها، لكي أشركها، أو لا أشركها، في تَحمّل المسؤوليات؟ ما أعرفه، أو بالأحرى من أعرفه، وعن كثب، ومن التفتَ إليّ والتفتُّ إليه، وكلّمني وكلّمته، وقلت له صباح الخير، وقال لي أهلاً وسهلاً… هو ناطور المصرف. ناطور المصرف وليس غيره من سادة المصارف وسيّداتها. عرفتُ هذا الناطور لفرط ما وقفتُ وانتظرت وتألمت وتأمّلت إلى جانبه عند باب المصرف. في مطر النواحي وفي جفافها، وسواء حين كان ذاك الباب موصدًا من دون رجعة، أو إلى حين، بفعل الترجي والاستعطاف.

يحيل الباحثون والموثّقون المحلّلون المسؤوليات إلى فلان وفلان من حاكمين فاعلين، لا أنا أعرفهم، ولا ناطور المصرف هو الآخر يعرفهم. أو ربّما أنّ صاحبي الناطور يعرفهم، ولا يخبرني. من يدري؟ هل كان عليّ ألاّ أولي ثقتي لهذا الناطور؟ لربّما كان شريكًا في سرقة أموال الناس من يدري؟ لا بدّ أن أنتظر التحقيقات. كنت آراه مرارًا يتلذّذ بتناول عجين الزعتر والزيت، هل يا ترى اشتراه بأموال المودعين؟

آهٍ من ندرة الإدراك، وآهٍ من التسرّع في الأحكام! يا ليتني لم أوثّق علاقتي بناطور المصرف. ويا ليتني لم أقصد المصرف، ولم أتعب ناظريّ بتأمل حجارته ونوافذه وبابه المغلق. ويا ليتني لازمتُ بيتي، ورضيت بِما في خزائنه الصغيرة، فالبيت هو الوطن، الوطن الذي أملك مفتاحه، وتسير بي قدماي إلى أرجائه، في النور وفي الظلام.