العالمية / هل تغيّر الزمن فقط؟ أم تغيّر مفهوم الفن نفسه؟ – كتب جان السمراني

أين فنّ اليوم من فن فنان الشعب عمر الزعني في ثلاثينيات القرن الماضي، وفن زياد الرحباني في هذا الزمن؟

حين كان الفن رسالة، كان الفنان يحمل هموم الناس كما يحمل المرء هموم بيته ووطنه. لم تكن الأغنية مجرّد كلمات تُقال وألحان تُسمع، بل كانت مرآةً للمجتمع، وصوتًا للناس، وسؤالًا يُطرح في وجه الواقع. ومن هنا تبرز أسماء كبيرة في تاريخ الفن اللبناني والعربي، بقيت أعمالها حيّة رغم مرور السنين، لأنّها لم تكن ابنة لحظتها فقط، بل عبّرت عن الإنسان والوطن والشارع والحياة.

ومن أبرز هؤلاء عمر الزعني، «فنان الشعب»، الذي جعل من الفن منبرًا يعبّر من خلاله عن الناس وهمومهم وأوجاعهم. كتب أغانٍ ومونولوجات هادفة، استوحى موضوعاتها مما كان يجري في الوطن والمجتمع، فكان يلتقط من الحياة اليومية مادته الفنية، ويحوّلها إلى كلمة ساخرة حينًا، وناقدة حينًا آخر، لكنها في معظم الأحيان كانت تحمل رسالة.

لم يكن عمر الزعني يكتب لكي يملأ الوقت أو ليُسمع الناس كلامًا عابرًا؛ كان يرى في الفن مسؤولية. كان يراقب مجتمعه، يقرأ نبض الشارع، ويضع إصبعه على مكامن الخلل. ولهذا بقيت تجربته شاهدة على مرحلة كان فيها الفنان قريبًا من الناس، يشعر بما يشعرون، ويتكلم بلسانهم، وهو الذي كتب ولحّن وأنشد بصوته أغنية وديع الصافي “عندك بحرية يا ريّس” وليس محمد عبد الوهاب.

ثم يأتي زياد الرحباني بتجربة مختلفة في أدواتها، لكنها عميقة في تأثيرها. زياد ليس مجرد ملحن أو كاتب أغنية، بل حالة فنية خاصة، استطاع أن يزاوج بين الكلمة والموسيقى والمسرح والسخرية والواقع الإجتماعي والسياسي، وأن يصنع لنفسه لغة لا تشبه سواه.

في موضوعات أغانيه وألحانه، نجد ذلك الذكاء الفني الذي يجعل البسيط عميقًا، والعميق قريبًا من الأذن. إنها موهبة «السهل الممتنع»؛ لحن قد يبدو للوهلة الأولى بسيطًا، لكنه يحمل في داخله بناءً موسيقيًا وإحساسًا يصعب تقليده. ولهذا دخلت ألحانه وكلماته إلى عروقنا ووجداننا، لا لأنها صاخبة أو متكلفة، بل لأنها لامست شيئًا حقيقيًا في داخل الإنسان.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم:

أين فنّ اليوم من فن عمر الزعني وفن زياد الرحباني وغيرهما من جيل الفن الجميل؟

هل تغيّر الزمن فقط؟ أم تغيّر مفهوم الفن نفسه؟

لا شك أن لكل عصر لغته ووسائله. واليوم هناك أصوات جميلة ومواهب موسيقية وشعراء وملحنون يمتلكون قدرات حقيقية. كما أن وسائل التواصل الحديثة أتاحت للفنان أن يصل إلى الناس بسرعة لم تكن متاحة في الماضي. لكن المشكلة ليست في غياب المواهب بقدر ما هي في غياب المشروع الفني الذي يعيش أطول من لحظة انتشاره.

لقد أصبحت الأغنية في كثير من الأحيان تُقاس بسرعة انتشارها، وعدد مشاهداتها، وقدرتها على صناعة الترند، أكثر مما تُقاس بقيمة كلماتها أو جمال لحنها أو قدرتها على البقاء. وأصبح بعض الإنتاج الفني يُصنع للاستهلاك السريع: نسمعه اليوم، وننساه غدًا.

أما في زمن عمر الزعني وزياد الرحباني، فكان الفنان يريد أن يقول شيئًا.

وهنا يكمن الفرق.

الكلمة كانت قضية، واللحن كان موقفًا، والأغنية كانت ذاكرة.

أين الشعر اليوم من الشعر الذي كان يحمل فكرة وصورة وإحساسًا؟ وأين الألحان التي تستطيع أن تعيش معنا سنوات، فنعود إليها بعد عقود فلا نشعر أنها أصبحت قديمة؟

ليس المطلوب أن نعيد إنتاج الماضي حرفيًا، ولا أن نطلب من فنان اليوم أن يكون نسخةً من عمر الزعني أو زياد الرحباني. فالفن الحقيقي لا يعيش بالتقليد. المطلوب أن يمتلك فنان اليوم روح عصره، ووعي مجتمعه، وصدق موهبته، وأن يعرف أن النجاح الحقيقي ليس في أن يسمعك الناس اليوم فقط، بل في أن يتذكروك بعد سنوات.

لقد كان عمر الزعني يلتقط نبض الشارع، وكان زياد الرحباني يلتقط تناقضات الإنسان والمجتمع ويحوّلها إلى فن. فمَن يلتقط اليوم نبض هذا الوطن؟

أين الأغنية التي تتحدث عن وجع الناس، عن أحلام الشباب، عن الهجرة، عن الفقر، عن الوطن، عن الانقسام، عن الأمل، وعن الإنسان اللبناني الذي ما زال يحاول أن يعيش رغم كل شيء؟

وأين الشاعر الذي يكتب قصيدةً لا تحتاج إلى مؤثرات كي تعيش؟

وأين الملحن الذي يستطيع أن يصنع لحنًا يدخل الذاكرة من دون أن يصرخ؟

ربما ليست المشكلة في أن الفن مات؛ الفن لا يموت. لكن الفن يحتاج إلى فنان يؤمن بأن الإبداع مسؤولية، وأن الكلمة أمانة، وأن اللحن ليس مجرد أصوات متجاورة، وأن الأغنية ليست سلعة تُستهلك ثم تُرمى.

لقد ترك لنا عمر الزعني وزياد الرحباني وغيرهما من كبار الفنانين أعمالًا أصبحت جزءًا من ذاكرتنا الثقافية. وهذا هو الاختبار الأصعب لفن اليوم:

هل سيترك لنا أعمالًا نتذكرها بعد ثلاثين أو خمسين سنة؟

قد يكون لكل زمن فنه، ولكل جيل لغته، ولكن هناك قاعدة لا تتغير:

الفن الذي يخرج من القلب، ويلامس الإنسان، ويعبّر بصدق عن زمانه، يستطيع أن يعبر الزمن.

وهذا هو الدرس الذي تركه لنا جيل الفن الجميل:

ليس المهم أن تكون الأغنية جديدة، بل أن تكون حقيقية؛ وليس المهم أن يكون اللحن غريبًا، بل أن يكون جميلًا؛ وليس المهم أن تنتشر القصيدة، بل أن تبقى.

فيا فناني اليوم، لا نطلب منكم أن تعيدوا عمر الزعني، ولا أن تستنسخوا زياد الرحباني؛ نطلب منكم فقط أن تبحثوا عن أصواتكم الخاصة، وأن تصغوا إلى نبض الناس، وأن تجعلوا من الفن أكثر من مجرد شهرة عابرة.

فالفن الذي لا يترك أثرًا في الوجدان، قد يملأ الأسماع ساعة، لكنه لا يسكن الذاكرة.