العالمية / واستراحَ في اليوم السابع – كتب فوزي عساكر

جارنا «نعمان»، نَعِمَ اللهُ عليه، فكان أحدَ وجهاء الضيعة. كان أكثرية الأهالي يَحتكمون لِمشورته وحتى لقضائه إن لزمَ الأمر. وكان لطربوشه وشاربيه وعصاه، الحصّة الكبرى من الـهيبة والعظمة، أمام شعبٍ هانَ عليه الـهوان!

كان الوجيه «نعمان» متى تَحدّثَ إلى ضيوفه، يطيّبون خاطره، كأنّه دائِمًا على حقّ، حتى في الأمور التي لم يفهمها السواد الأعظم من المحيطين به. فهم لَهم دور واحد، وهو الإصغاء حين يتكلّم الوجيه: «شو نِحنا منفهم قدّو؟!»

وكثيرًا ما كان نعمان يُحدّثهم عن حياته العائلية وبالأخصّ الزوجيّة، ليُظهِرَ لَهم أنه الرجل المثالي الفريد. فكان يقول لَهم: «أنا رجلٌ عصريّ، متمدّن، منفتح، متحضّر… أخاطبُ زوجتي بِهدوء، وأستمعُ إليها وأسـمعُ رأيَها في كلّ الأمور، ولكن… في النهاية: الأمرُ لي!» وبِهذا تتجلّى ديـمقراطيّة «نعمان» مع زوجته «فضيلة»!

وبعد هذا البيان الحازم، هل يَجرؤ أحد من المستمعين أن يلفت نظره إلى أنه استبداديٌّ برتبة مُمثّل؟! طبعًا لا… لذلك كان يَجودُ في الاعتزاز بنفسه. «وألله يساعد فضيلة»، التي اعتادت على طأطأة الرأس والخنوع، أمام هذا الوجيه الجربوع!

ونَحن لسنا أفضل من «فضيلة» على الإطلاق، فنوّابُنا في «مَجلس الديـمقراطية»، يستمعون إلينا، ويصفّقون أحيانًا كثيرة لنبرات خطاباتنا العالية، في أغلب الـمناسبات، وهم يتصدّرون الصفوف الأمامية في مناسبات «الكلام بكلام». ولكن في النهاية، يذهبون إلى «مَجلس الديـمقراطية»، ويُمددون لأنفسهم، شاءَ مَن شاء، وأبى مَن أبى. ألَم أَقُلْ لكم إننا لسنا أفضل من السيدة «فضيلة»؟! وهل تستغربون أن يكون على كراسي «مَجلس الديـمقراطية» مئةُ نعمانٍ ونعمان؟!

فها قد مدّدَ النائب الزعيم لنفسه، واستراحَ في اليوم السابع، وتربَّعَ على عرشه من جديد، فوفّرَ على جيبه وجيب مشغّليه ملايين الدولارات ثَمنَ شراءِ قطعانٍ من الغنم، يُمضونَ قيلولةً كاملة، ونصفَ قيلولةٍ مُمدّدة، حتى يَحين موسم الرعي. عندها يَهوجون ويَموجون، فتصحو الـمواطنية الـموسـميّة في ضمائرَ، مَوطنُها في الجيوب!

إنّها حكاية مسؤولٍ يؤلّهُ نفسه، ويعيثُ فسادًا في وطنٍ لم ينجح في الحفاظ عليه كدولة، كان قد أسّسها قبله كبارٌ، ألغى تاريـخَهم من كتاب التاريخ، ولن يسمحَ للوطن أن يصير دولةً، حتى ولو حكمَ ألفَ سنةٍ، واستراحَ في اليوم السابع!

فوزي عساكر