العالمية / وسرقَ الرغيف
كتب فوزي عساكر رئيس تَحرير مَجلة العالـمية

كان في ضيعتي فلاحٌ يصحو قبل صياح الديك، يلبس ثياب الحقل، ويشرب القهوة مع زوجته الفاضلة، فتُعِدُّ له الزاد، يَحمله في رقعة القماش، وينطلق إلى الحقل البعيد، ليمضي هناك نَهاره حتى المغيب، فيروي عطش الأرض، ويقلّم أضافر أشجارها، ويرشُّ من عرق جبينه في كل ناحية، بَرَكةً مقدّسة من عرق فلاح، يعمل بإخلاصٍ لعائلته وأرضه، أكثر مِمّا يعمل تاجر سياسة لشعبه ووطنه!
في أحد الأيام، وهو ذاهب إلى الحقل، أصابه دوارٌ، فسقط على الأرض. وهناك بالمصادفة، مَرّ به ناطور الحقول، فتوقّف عنده، وعرض عليه المساعدة في الطريق. فحمل عنه زاده، وراح يُغدق عليه الكلام المعسول، فيقول: «أنا بِخدمة أهل الضيعة وبِخدمة الفلاحين، وأنا أعطي كلَّ وقتي لِمساعدة الناس.» ولكنّ الفلاح، كان يَعلمُ تَمامًا أنّ ناطور الحقول يَجبي رشوةً من الحطابين وصانعي مشاحر الفحم، ورعاة الـماشية، والصيادين، وكل مَن تطأ قدمُه الحقل. وكان يتلطّى بالخدمة العامّة من أجل كسب المال، وكل ذلك باسم الوكالة التي منحه إيّاها أهالي الضيعة لإدارة شؤونِهم.
وعند وصولهما إلى الحقل، ارتاح الفلاح، ولكن ناطور الحقول، أخذ زاد الفلاح معه وأكمل الطريق. وفي وقت الظهيرة، اكتشف الفلاح أنّ ناطور الحقول سرق الرغيف تَحت حجّة تقديم الـمساعدة!
وبعد أن انتهت مدة وكالة ناطور الحقول، كان أهالي الضيعة جَميعُهم مُمتعضين من سوء أمانته، فلم يقبلوا التجديد له، وأبلغوا السلطات المختصة بذلك. ولكن السلطات المختصة كانت تَحصل على جزء من الجبايات والمنافع التي كان يستولي عليها ناطور الحقول، فسكتت عنه، وأسكتت أهالي الضيعة وجدّدت له الوكالة رغمّا عن معارضة أهالي البلدة.
وهكذا أصبح تَمديدُ ولايته أمرًا واقعًا، فسرق الحقل وسرق الرغيف، والجائع لا يقوى على المطالبة بِحقه على أمعاء خاوية. فهذا وَضعُ الشعوب التي جوّعها حكامها ليُمعِنوا في حكمها، فتستعيض عن المطالبة بالكرامة، بالمطالبة بالدواء كي تبقى على قيد الحياة!
وهنا يَجوز السؤال: كيف لِحملة انتخابية لموسمٍ واحد، أن تكلّف ملايين الدولارات مقابل مُخصصات زهيدة لا تكفي لِمُرافقِ زعيمٍ، لو لم يكن هذا الزعيم يستوفي الملايين من الصفقات على غرار ناطور الحقول هذا؟! وهكذا يستطيع أن يُجدّد ويُمدّد لنفسه ما دامه يرضي الأكبر منه، ويَحظى من شعبٍ غاشمٍ على التصفيق لزعيمه عن كل استحقاق؟!
ومَن له أذنان سامعتان، فليسمَع!
فوزي عساكر
