الفن بين البندورة والبطاطا
(كتب فوزي عساكر رئيس تَحرير مَجلة العالـمية)

لقد علّمونا منذ الصّغر، أنّ الحضارة هي في تَقدُّم مستمرّ، لبلوغ أقصى درجات التقدّم، من أجل مجتمع أفضل وأعظم. ولكن مع مرّ الزمن، تأكّدَ لنا أنّ أكثر ما تَقَدَّم به الإنسان، هو تطوير التكنولوجيا التي أدّت إلى تطوير وسائل القتل. فتقَدُّم الإنسان في التكنولوجيا، جعله يطوّر وسائل الحروب لتكون فتّاكة مدمِّرة ساحقة للبشرية. فهل صنعت يد الإنسان ما ينهي وجوده على الأرض؟!
إذا كان هذا ما أنتجته حضارة التكنولوجيا، وهذه هي النتيجة المبكية، فما بالكم بما يقدّمه لنا المنتجون من فنّ هابط، مدّعين أنّ هذه الحضارة هي التي يطلبها المستمعون. أيّها الكرام… المستمع والمشاهد لا يطلب في عالمنا، بل يكتفي بالتلقّي وبترداد ما يُقَدَّم له على أطباق لم تحتفظ إلاّ بالفضلات!
إنّ العديد من أغنيات اليوم، غابت عنها الكلمة والوزن والقافية والمعنى والقصة والعبرة والرسالة والهدف… حتى باتت مجموعةَ عظامٍ بالية، في مقبرة جَماعية، تغفو على سمفونية الحرتقة!
لقد غابت المعاني التي تُشعل القلوب والعقول، وتفجّر دموع الفرح والحزن على السواء. فالصور الإبداعية باتت مستورَدَة من محلات البقالة، فتضمّنتْ أشعارُ الأغنياتِ كمياتٍ من البندورة والبطاطا، واستطعمَ بها الجمهور الجائع للبقالة، وصفّقَ لها ولم يفهم شيئًا في زمن عبقرية النّتاج الهابط!
حتى وسائل الإعلام الدينية، باتت تعرض بضاعة المنتجين القادرين على دفع الثمن، فالمال هو المهم وليس الكلمة والرسالة. وقد حصل معي أن أسمعتُ ترانيمَ دينية إلى أحد القيّمين على تلفزيون ديني، فأعجبَ بها، وطلب منّي أن أسجّلها وأصوّرها على نفقتي الخاصّة، كي يبثّها على شاشته. ففعلتُ ما أراد، وقدّمتُها إليه، وما زالت في الدُّرج بانتظار دفع الثمن ليطلق سراحها، وحين قلتُ له: لقد أنتجتُها خصّيصًا لشاشتكم، قال لي صاحب الرسالة السامية: «ما تربّحنا جميله، عِنّا منها كتير… بدك تدفع!» فيما أُذيعت على وسائل عالمية من دون معرفتي بأصحابها.
الويل لدولةٍ لا تحتضنُ أولادها وإبداعاتهم، فتُهجِّرهم ويزدهر العالم بما يقدّمون. فحتى الدجاجة التي تُقفلُ بوجهها الباب، ستبيض حتمًا في حديقة جاركَ… ومَن له أذنان سامعتان… فليستعملْهما!
فوزي عساكر
