بين 17 تشرين في لبنان وحراك الشباب المغربي – نجلاء عمري

في ذكرى 17 تشرين حين شهد لبنان واحدة من أوسع الحركات الاحتجاجية في تاريخه الحديث. آلاف الشباب خرجوا إلى الشوارع للمطالبة بحقوقهم الأساسية: تعليم أفضل، صحة كريمة، وظائف وفرص متساوية، وإنهاء الفساد المستشري في الدولة. على الرغم من ضخامة الحركة، واجه المتظاهرون التشتت، القمع، وغياب قيادة واضحة، ما حدَّ من تأثيرها المباشر على النظام السياسي، لكنها تركت أثرًا بالغًا على وعي الجيل الجديد.

اليوم، نشهد في المغرب تحركات شبابية مشابهة، يطالب فيها الشباب بالكرامة، فرص العمل، شفافية الحكومة، وإصلاح النظام الاقتصادي والاجتماعي. السلطة، كما في كثير من الدول العربية، تسعى للسيطرة على الحراك عبر الخطاب الرسمي، وتحوّله إلى تهديد أمني أو مؤامرة خارجية، ما يعكس نفس التحديات التي واجهها اللبنانيون قبل سنوات. المغرب اليوم يمكن أن يستفيد من التجربة اللبنانية وتحقيق حلم كل مواطن عربي: بناء شبكات ضغط مستمرة ومنظمة، ربط وعي الشباب بالضغط السياسي الفعلي، واستثمار خبرات الشباب العائد من الخارج.

اليأس الشعبي وآلية التحكم:

في دولنا العربية، المواطن البسيط يعيش حالة من اليأس المتراكم. حقوق أساسية مثل التعليم والصحة والضمان الاجتماعي غالبًا ما تبقى حلمًا بعيد المنال. المواطن يركّز على تأمين لقمة العيش ويعيش بحذر، لأنه فقد اليقين في التغيير. الأنظمة السياسية تستفيد من هذا اليأس لإبقاء الشعب مطيعًا، ضعيف الصوت، ومفصولاً عن حقوقه الأساسية.

رغم هذا الواقع، يظهر جيل الشباب الجديد كأمل حقيقي. هؤلاء الشباب، الذين درسوا أو عاشوا في الخارج، اطّلعوا على نظم تعليمية وصحية متقدمة، وواجهوا واقعًا مختلفًا تمامًا عن واقع بلدهم الام. التجربة الدولية جعلتهم يطرحون السؤال:

«لماذا نحن محرومون من أبسط حقوقنا بينما الدول الأخرى تؤمنها لمواطنيها تلقائيًا؟»

هذا الجيل يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي ليس فقط للتواصل، بل لتبادل المعرفة، والتعرف على الثقافات، تشكيل وعي جماعي، ومناقشة الحلول الممكنة، ما يجعله أقل عرضة للتضليل وأكثر قدرة على المطالبة بحقوقه.

ورغم امتلاك بعض الشباب العائد من الخارج لأفكار إصلاحية ورؤية حديثة، كثيرًا ما تختارهم الحكومات بعناية لتولّي مناصب سياسية، ليس لنواياهم الإصلاحية، بل لإضفاء صورة إيجابية أمام الشعب وكأنهم «شباب منكم»، بينما الواقع يفرض عليهم التكيّف مع المنظومة القائمة. القيود البيروقراطية، شبكات المصالح، الضغوط للاندماج في النظام، منطق البقاء السياسي، نقص الصلاحيات، والضغوط الاجتماعية، تجعل كثيرين منهم يضطرون لتسويات مع الواقع بدل كسر المنظومة، ما يحوّل الواجهة الإصلاحية إلى مجرد مظاهر شكلية.

السؤال الكبير: لماذا تبقى الأنظمة الفاسدة صامدة رغم الغضب الشعبي؟

الإجابة تكمن جزئيًا في الدعم الخارجي. الحكومات الأجنبية غالبًا تدعم الأنظمة القائمة بدل الإصلاح أو التغيير، لأنها تريد ضمان مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية والاستراتيجية، وتفضّل استقرارًا معروفًا على مخاطر التغيير الديمقراطي، حتى لو كان لصالح الشعب.

هذا الدعم الخارجي يمنح الأنظمة حماية إضافية ضد أي ضغط شعبي، ويجعل أي حراك إصلاحي يواجه عقبات مزدوجة: المنظومة الداخلية والحماية الدولية للفساد.

وفي النهاية ، التغيير ممكن، لكنه يحتاج إلى أدوات محددة: حراك جماعي منظم يشمل النقابات والجمعيات المدنية، محاسبة واضحة للمسؤولين، توظيف خبرات العائدين مع توفير الصلاحيات والدعم المؤسسي، وتثقيف الشباب على أن الدولة شريك في الحقوق لا عدو.

الجيل الجديد، الواعي والمتصل بالعالم، هو الشرارة التي يمكن أن تكسر دائرة اليأس، بشرط وجود هيكل تنظيمي يدعم الإصلاحات الواقعية والمستدامة.