تربّى في قرية تسرق الصواميل (عزقة البرغي) – ناجي عساكر – اليمن

تربّى في قرية تسرق الصواميل (عزقة البرغي)

ناجي عساكر – اليمن

أثناء قيام احد الحراس بالتفتيش بالقرب من محطة سكك الحديد في روسيا، وجد رجلاً يقوم بفك صواميل الفلنكات التي تقوم بتثبيت براغي سكة القطار، فاقتاده إلى قسم الشرطة للتحقيق معه.

المحقق: هل تعلم مدى خطورة ما تفعل؟ أنت متهم بتعريض حياة آلاف الابرياء للخطر .

الرجل: كيف؟ إنها مجرد صامولة… لن تؤذي أحدًا. انا في حياتي لم أؤذِ أحدًا من قبل .

المحقق: لماذا فككت الصامولة ؟

الرجل: أستخدمُها لتثبيت الشبكة اثناء الصيد، فأنا اعمل صيادًا، وأريد شيئًا ثقيلاً به ثقب لتثبيت الشبكة، فالصامولة هي افضل اختيار متاح بالنسبة لي .

المحقق: ولماذا لم تشترِ واحدة؟

الرجل: إنها مكلفة، وأنا صياد فقير، فمن الأسهل أن أفكّ الصامولة – العزقة، عن أن أتحمل ثمن واحدة. القرية كلها تفعل مثلي !

المحقق: ماذا تقول. هذا جنون. أتقول أن القرية كلها سرقت الصواميل مثلك؟ سوف ينقلب القطار بالتأكيد .

الرجل: كلا لن ينقلب، فنحن نفك صامولة ونترك أخرى بالتبادل، حتى تتوزع الأحمال. لقد تعلمنا هذا في دروس الفيزياء في المدرسة ونحن صغار .

المحقق: لا يزال هناك خطر قائم، وهل تستخدمون كل هذه الصواميل في الصيد؟

الرجل: أنا واخوتي نستخدمها في الصيد، وجارنا يستخدمها في صنع الأقفال لبيت العمدة ومركز الشرطة .

المحقق: ماذا تقول؟ ولماذا يفعل جارك هذا؟

الرجل: لقد طلب منه العمدة تجديد أقفال المنزل ومركز الشرطة، ولم يعطه مالاً، ففكّر في طريقة يجدد بها الاقفال دون تكلفة، ولم يجد أفضل من صواميل القطار .

المحقق: وطبعًا رأى العمدة تلك الصواميل. فهل سأل من أين حصلتم عليها؟

الرجل: العمدة لم يكترث، هو فقط أراد إصلاح الاقفال .

المحقق: نشكر الله أننا قد اكتشفنا الأمر قبل ان تحدث كارثة، سوف أصدر أمرًا بتعيين حراسة على تلك القرية لمنعهم من فك الصواميل .

الرجل: اعتقد انها لن تكون مشكلة بالنسبة لنا، لأننا سوف نحصل على الصواميل من القرية المجاورة لنا، سوف نشتريها منهم .

المحقق: (ينتفض فزعًا)، ماذا تقول؟! أهم يفعلون مثلكم ؟!

الرجل: نعم سيدي، كل القرى في محيط سكة القطار تفعل هذا. هناك من يستخدمها للصيد، وهناك من يبيعها، وهناك من يصنع بها الاقفال، نحن مضطرون لذلك، فلا بديل أمامنا، ولا نملك النقود لشراء أبسط الاشياء، فنضطر لفك صواميل القطار .

المحقق: وإن رفعنا رواتبكم، هل تتوقفون عن سرقة الصواميل؟

الرجل: أخشى سيدي انها قد اصبحت عادة يمارسها الجميع، إن كان عليكم ان توقفوا سرقة الصواميل، عليكم تعليم النشء منذ الصغر بما تريدون أن يفعله حين يكبر، حتى إذا كبر، ووجد العدل والعمل والراتب المناسب، لن يفكر يومًا في سرقة الصواميل .

المحقق: سوف اكتب هذا في تقريري، ولنرى ماذا يفعل الحاكم.

وأغلق المحقق الملف، وركب القطار عائدًا إلى العاصمة، وهو ينظر من نافذة القطار، ويقول لنفسه: أتمنى أن نأخذ القرار سريعاً، فالأمر خطير، هؤلاء البؤساء، من الممكن أن يتسببوا في كارثة.

عندها لمح طفلاً صغيراً يقف على حافة سكة القطار، يقف ضاحكًا ويحمل في يده صامولتين- عزقتين، لينتفض المحقق فزعًا، ويصرخ: أوقِفوا القطار أوقفوا القطار!

لكن لقد فات الأوان، وصرخ الجميع على صوت الاصطدام، وانقلب القطار !

لقد فك الطفل الصغير دون أن يدري صامولتين متجاورتين .لقد فعل مثل الآخرين، لكنه لم  يكن يعلم خطورة ما يفعل، لقد وُلد هذا الطفل فقيراً ولم يذهب إلى المدرسة، ولم يحضر دروس الفيزياء كالآخرين، إنّما مارس أفعالهم السيئة بالفطرة .

طفل صغير يعاني الفقر والجهل، تربى في قرية تسرق الصواميل، تسبب في انقلاب القطار … وهكذا نحن إذا أسأنا بأفعالنا أمام أجيالٍ تتربّى على سيئاتنا، سيُدمّرون أوطاننا من دون أن يدروا…