حكمةُ عتريس في إدارة البلاد
(كتب فوزي عساكر رئيس تَحرير مَجلة العالـمية)

تزوّج عتريس من ابنة الحارة المجاورة لِحارته، كي يُحافظ على العيش المشترك بين الحارتين. فهنَّأهُ أهل الحارتين، وتَمنّوا للعروسين حياةً مكلّلة بالرفاه والبنين.
لكنّ عتريس، اعتقدَ أنّه بإنْجاب عائلة كبيرة، سيحظى بزعامة الحارتين، ويصبح مضربَ مَثَلٍ للجميع: هذا عتريس وهذه عائلة الأولاد والأحفاد التي تَملأ البلاد.
وبِما أنّ عتريس رجل «صائع»، لا يُخطّط ليومِ غدٍ، ويُحرق كلَّ أوراقه في يومه الحاضر، راح يُكثر من إنْجاب الأولاد من دون أن يُخطط لإطعامهم وتعليمهم وتأمين مستقبلٍ لَهم. وهكذا استمرَّ حتى كبرَ أولاده، وكبُرَت معهم هُموم الحياة، فاستحال على عتريس تسديد مصاريف الكهرباء والمياه والطبابة والطعام والشراب… ووقع على وجهه يندب حظّهُ من دون رؤية لإنقاذ عائلته من الجوع والحرمان. وعند كل استحقاق- مع عدم الرؤية- كان عتريس يَمدُّ يده إلى مُجوهرات زوجته التي ورثتها من أهلها، حتّى باع كلّ مُجوهراتِها لتسديد المستحقات المالية الطارئة.
لم يكفِ ذلك، فالمستحقات تتجدّد في كل شهر، وتتراكم الديون على عتريس، فراح يَختلس من قجّة الأولاد. الأولاد يعملون بعد دوام المدرسة، ويدّخرون المال بالدراهم، لتحقيق حلمٍ قد يتحقق يومًا ما، من دون أن يعلموا أنّ والدهم يَختلس المال من القجة، التي لم يدعها تَمتلئ.
كانت تلك، رؤية عتريس في إدارة شؤون بيته. وعند كلّ استحقاق جديد، يفتّش في قجة الأولاد وحقائب الزوجة، بِحجّة تأمين معيشتهم، والتخلّص من قساوة الحياة. لكن، بعد أن فقدت عائلته الصبر، طلبت زوجته الطلاق، وهَجرَهُ أولاده من دون حقائب سفر، لأنه لم يَعد لديـهم ما يَحملونه في حقائبهم، بعد أن باع عتريس ثيابَهم وحتى… الأحذية!
هكذا نَحن، كلّنا أولاد عتريس، أولاد دولةٍ تتعترسُ على شعبها. وكلّما اشتدّت عليها الأزمات، في غياب أيّ رؤية للإنتاج والإنْماء، مَدَّت يدها إلى جيوبنا، تَختلسُ جنى أعمارنا «باسم القانون» الذي شرّعته أيادٍ آثِمة لا تعرف الرحمة ولا بُعد النظر. فتزيد الدولة فقرًا، بالرغم من كل ما تفرضه على الشعب من الضرائب لتمويل العجز وتغطية الفساد.
نَحن أولاد عتريس، أحلامنا كبيرة وآفاقنا مَحدودة، لا نُخطط ولا نقرأ مستقبل الغد القريب. فكيف سنستمرّ في دولة متهالكة، تفرض الضرائب، بالتراضي مع أهل الحكم وأهل التشريع، فتُمَرّر الضرائب بالقانون من تَحت الطاولة، ولا نشعر إلاّ واللقمة قد سُرِقَت من أفواهنا المفتوحة على قابليّة التهليل للزعماء.
مع هكذا رؤية لِهكذا دولة، قد لن يبقى لنا من المعاش ثَمن مازوت للتدفئة عند حلول فصل الصقيع! إنّها تَمامًا دولة عتريس التي هجّرت شعبها قبل حلول فصل الشتاء، وراحت ترتَمي في أحضان دول العالم، عشيقةً تبيع سيادتَها بِحفنةٍ من المال تبتلعها جيوب السياسيين ومَن وراء السياسيين!
نَحن شعبٌ أنعمَ الله علينا بطبيعة خلاّبة صالِحة لتنبت الخيراتُ فيها. ولكن لم نقدّر نعمة الله، فأحرقنا حقولَنا وهدمنا بيوتَنا، وهَجّرنا أولادنا… آه… فهل يعودون؟!
وفي النهاية، يقوم نوّابُنا الفطاحل بإعادة منح الثقة لِحكومةٍ انتقدوها لأنّها من دون رؤية، وهي بالتأكيد، تعتمدُ حكمةَ عتريس في إدارة شؤون البلاد.
فوزي عساكر
