حين يُحاكَم السؤال: الفلسفة جريمة والتعليم الرسمي متّهم – مقابلة إعداد سمر قره

في هذا الحوار مع الأستاذ إيلي دويهي، نفتح ملفّاً مسكوت عنه: كيف تحوّلت قاعات التعليم الرسمي إلى ساحات تصفية، ولماذا صار السؤال جريمة تُقصي صاحبها؟

اثنا عشر عاماً من تدريس الفلسفة انتهت بسلسلة من الإقصاءات، لمجرّد أنّ أستاذاً قرّر أن يعلّم طلابه كيف يسألون. بين ضغط الدين وسطوة السياسة، الضحية الأولى كانت العقل، والتعليم الرسمي فقد وظيفته الأساسية: أن يكون ساحة للتنوير.

سألناه عن بداية الحكاية: إثنا عشر عاماً في الثانويات الرسمية، ثم إقصاءات متتالية… كيف تصف هذه الرحلة؟

إيلي دويهي:

رحلتي مع الفلسفة بدأت من قناعة عميقة: أنّ الصف ليس مكاناً لتلقين الإجابات، بل مساحة لطرح الأسئلة. فقد كنت أؤمن أنّ وظيفة الفيلسوف ليست منح اليقين، بل تدريب التلامذة على الشك البنّاء. لكن اكتشفت أنّ هذا النهج – رغم بساطته – يشكل تهديداً لنظام يخاف من العقل. ففي «مرياطة» أقصوني لأنني سألت عن حقيقة الهبوط على القمر، وفي «بشري» طُردتُ لأنني ربطت صفات الله بالإنسانية، أما في «زغرتا»، فقد دخلت السياسة بثقلها وكأن الفلسفة عدوّ للحزب والعائلة.

سألناه: كأن الفلسفة تحوّلت إلى جرم يُحاسَب عليه المعلّم! هل كانت الضغوط دينية صِرفاً، أم سياسية بالدرجة الأولى؟

إيلي دويهي:

الاثنان معاً. الدين استُخدم كسلاح لإسكاتي، والسياسة كذريعة لإبعادي. رجال دين اتهموني بالكفر لمجرّد أنني دعوت التلامذة إلى التفكير. وأحزاب أرادت أن يكون الأستاذ في الصف امتداداً لها. مشكلتي الحقيقية أنّني مستقل لم أقبل أن أكون أداة، لا عند مرجعية روحية ولا عند زعامة سياسية.

لكن هناك من يعترض: “الفلسفة مادة حساسة، لماذا تفتح ملفات الدين مع تلامذة مراهقين؟”

إيلي دويهي:

الفلسفة لا تُدرَّس من دون مساءلة الموروث. أفلاطون نفسه قال: «العقل هو الحَكم الأخير.» لو علّمنا التلامذة أن يتهرّبوا من الأسئلة نكون قد خُنّا رسالتنا. أنا لم أزرع شبهة، بل طرحت سؤالاً. الفارق كبير. الطفل الذي يتعلم أن يسأل اليوم، سيكبر مواطناً حراً غداً. أما من يُمنع من التفكير، فينشأ أسير الجهل والتعصب.

سألناه عن شعوره الشخصي بعد الإقصاء المتكرر:

إيلي دويهي:

الألم لم يكن في فقدان ساعات التدريس، بل في رؤية طلابي يُحرَمون من فرصة حقيقية لاكتشاف أنفسهم. شعرت أنّني أدفع ثمن استقلالي. كما قال جبران: «ويلٌ لأمة تكثر فيها المذاهب والطوائف وتخلو من الدين.» نحن في بلد تُختزَل فيه الطيبة بالضعف، والصمت بالعجز، والاستقلال بالعداء.

هل ما جرى معك صورة عن واقع التعليم الرسمي اليوم؟

إيلي دويهي:

تماماً. نحن أمام مدرسة رسمية تُختطف من جهتين: رجال الدين من جهة، والسياسة من جهة أخرى. في الحالتين، الضحية واحدة: التلميذ. فحين يتحول الصف إلى ساحة معركة بين «الحلال والحرام» أو بين «هذا الحزب وذاك»، تُسحق الفلسفة ويُقتل العقل.

هل بقيت شهادة من طلابك عالقة في ذاكرتك؟

إيلي دويهي:

نعم. أحد طلابي كتب لي رسالة قال فيها: «أستاذ، أنت أول من جعلنا نفكّر بأصواتنا بعيداً عن أصوات الآخرين.» هذه الكلمات عوضتني عن كل الإقصاءات.

 الفلسفة ليست شعبية، لكنها ضرورية. ونجاحي لا بعدد الساعات التي درّستها، بل بعدد العقول التي أيقظتها.

وأخيراً، ما رسالتك اليوم بعد أن دفعت ثمن استقلالك وحرّيتك؟

إيلي دويهي:

رسالتي بسيطة: لا تكفّوا عن الطيبة، لكن اجعلوها بوعي. ولا تكفّوا عن التعليم، لكن اجعلوه حرّاً. وكما قال دوستويفسكي: «الطيبة المفرطة قد تُفهم ضعفاً، لكنها في جوهرها أسمى درجات القوة.» قوتنا أن نعلّم أبناءنا أن يسألوا بلا خوف، وأن يحلموا بلا قيود.

وفي الختام..

ما يرويه الأستاذ إيلي دويهي ليس قصة شخصية فحسب، بل هو حقيقة لجرح واضح المعالم في جسد التعليم الرسمي: جرح سببه الخوف من السؤال والارتهان للسياسة والدين.

ففي مجتمع لا يجرؤ على مواجهة الأسئلة، سيبقى العقل أسيراً للأجوبة المعلّبة الجاهزة.