ربيع داغر وكتابه الجديد «جدّو كريشنامورتي والثورة النفسية» – د. قيس غوش

جدّو كريشنامورتي 1895/1986 هو فيلسوف وحكيم هندوسي. هو شخصية فكرية قلَّ نظيرها. وهو ظاهرة بارزة في علم الأديان والحضارات الشرقية. إنه يستأهل البحث والدراسة. تُرجمت مؤلفاته إلى خَمسين لغة. ورويت سيرته في العديد من اللغات. وظلّت العربية بعيدة عن ترجمة أعماله وسيرته، ولم يُنقَل إليها من آثاره النفيسة إلاّ عدد قليل. وها هو ريبع داغر العلاّمة الصحافي الماهر يهدي مكتبتنا العربية كتابًا ثالثًا يجمع فيه بعض كلمات الحكيم الهندي جدّو كريشنامورتي، ومنتخبات من كتاباته وحواراته وتعاليمه. فعساه أن يكون بابًا ومدخلاً لكلّ الطامحين والراغبين في التعرّف إلى هذا الحكيم الهندي، وإدراك الحقائق التي يعلنها.

وسيرة كريشنامورتي كما قال عنها الكاتب الفرنسي فرانسوا فافر (نقلاً عن البوفسور لويس صليبا المتخصص في أدب كريشنامورتي: أسطورة دينية).

وفي سنة 1875 أي قبل مولد كريشنامورتي بعشرين سنة، أسست السيدة الروسسية إيلينا بلافاسكي الجمعية التيوصوفية. وأعلنت قبل موتها بسنتين، أي سنة 1889 أنّ هدف الجمعية هو التحضير لمجيء معلم العالم الذي يسميه البوذيون Maitreya أي المخلص، والمسيحيون: المسيح. وستكون مهمته إحلال السلام والتعاون بين البشر. فانطلق التيوصوفيون وأعوان السيدة بلافاسكي يبحثون عن الصبيّ الذي سيُعلن تَجسّده في المسيح المنتظر.

وبعد عدة محاولات اختار التيوصوفيون الشاب الهندي الذي أسماه والداه كريشنامورتي، أي مَن له صورة الإله كريشنا، تكريمًا له. وكانت أمه قد ماتت وعمره عشر سنوات، فانتقل أبوه المنتمي إلى الجمعية المذكورة مع أفراد العائلة، ليعمل مساعدًا في الجمعية في منطفة أديار في بيناريس Benarès في الهند. وهناك على شاطئ أديار اكتشف الأسقف Leadbeater أحد معاوني Annie Besant (1847/1933) رئيسة الجمعية التيوصوفية الصبي كريشنامورتي، وقال عنه الأسقف: إنه يتمتّع بهالة نورانية، وقد قُيّدَ لي مشاهدتها.

إهتمت السيدة بيزانت هي والجمعية التيوصوفية بتربية كريشنامورتي، وحضّرته وهيّأته لمهمته كمسيح أو مايتريا أي المخلّص. وأُرسلَ مع أخيه Nitya إلى أوروبا.

وفي 11/1/1911 أسست بيزانت في بيناريس جمعية «نَجمة الشرق»، ووضعت الشاب كريشنامورتي رئيسًا لها، وأعلنت أنّ هدف الجمعية هو المخلّص عند البوذيين، من خلال كريشنامورتي، الأمر الذي أدّى إلى خلافات وانشقاقات في الجمعية التيوصوفية. وبدأت شعبية كريشنامورتي بالازدياد بعد أن اهتمت بها وتناقلتها الجمعية المذكورة. وبدأت التبرّعات في تدفّقها، وأصبح عدد التلاميذ بالآلاف:

إله جديد، غير أنّ الوجه الآخر لشهرة هذا الإله الجديد أمسى عزلة ترافقها التمارين الباطنية والعفة والتلقينات من قبل معلميه التيوصوفيين.

وهكذا أفسح كريشنامورتي المجال لمعلم روحي، هدفه أن يجعل الناس أحرارًا.

معلم روحي يدرك أنّ المعلم الحقيقي لا يقدر أن يساعدك، لأنّ عليك أن تفهم نفسك.

ورفع كريشنامورتي شعار: «الحقيقة بلد لا طريق له.» وجعله خلاصة تعليمه. وبقي يكرر هذا الشعار.

مات كريشنامورتي في 17/2/1986 في أوهاي في كاليفورنيا – الولايات المتحدة بمرض السرطان. وأثناء محرقة جثمانه لم تجرِ أيّة صلاة، عملاً بوصيته وزهده المستمرّ بشتى مظاهر التكريم والتعظيم.

للمعلم كريشنامورتي ألقاب: المعلم الخارق، عالم نفس العصر الحديث، حكيم الدهر… ومن أبرز الأسماء والعلماء والفلاسفة الذين تأثروا به: جبران خليل جبران، جورج برنارد شو، ساد غورو وكمال جنبلاط…

وقال عنه جبران: «عندما دخل إلى الحجرة قلت لنفسي ها قد قَدِمَ رب المحبة.» وعندما انتقل إلى جوار الله، أعلنت الهند الحداد عليه، وقال رئيس الوزراء الهندي الراحل: راجيف غاندي: «لقد أصبح بلدنا والعالم أكثر فقرًا بموته.»

وقال فيه المعلم كمال جنبلاط: «تشبه طلعته البهية شعشعة ألوف الشموس  الطالعة في الأفق البعيد.»

كيف تعرّف الكاتب ربيع داغر إلى كريشنامورتي؟!

كانت بداية تعرّفه إلى كريشنامورتي بشكل مصادفة. وذات مساء من شهر كانون الثاني 2019، شاهد له على شبكة الإنترنت فيديو، ولفتَ انتباهه، وفُطِنَ به منذ سماعه له. وكان كريشنامورتي يطرح موضوعات ومسائلَ تتناول: الخوف، المشاهدة، المراقبة والعقل الصامت والعقل الصاخب المشوَّش…

وإنّ العمق في تفكير هذا المعلم الهندي قد أثّرَ في نفس العلاّمة ربيع داغر، فتابع إصغاءه لمحاضراته ومحاوراته، وكان يحثّه على التركيز على المسائل التي كان يطرحها. لقد دُهشَ ربيع بكل أفكار وأقوال كريشنامورتي، وشاهد كل ما تيسرَ له من أفلام فيديو، وأصغى إلى مؤلفاته المسموعة. وصوّبَ تفكيره على المسائل التي كان يطرحها هذا المفكر الهندي.

وفي بداية مسيرة ربيع داغر الفكرية، تأثَّر بالأفكار الفلسفية الهندية. ورأى أنّ الهند هي أرض الحكماء واليوغيين والفلاسفة. وتبيّن له أنّ كريشنامورتي مميّز بعرضه للموضوعات والمسائل النفسيّة العميقة والمعقدة. ورآه يتّبع الأسلوب العلمي الغربي، ويطرح المسائل الصعبة، ويرى فيه المفكر المتفرّد من خلال تنقله من بلاده إلى انكلترا والولايات المتحدة وشتى البلدان.

 حقّاً انّ كريشنامورتي عند العلاّمة ريبع داغر هو شخصية فريدة ومميزة، وهو بنظره أعظم حكماء الهند في العصر الحاضر.

الدكتور قيس غوش